د.طارق عشيري

نتفائل دائما في سودان مابعد الحرب لكننا ايضا نضع في الحسبان الواقع الذي نتعايش معه الان هل (هو مواكب)لما بعد الحرب  ، حيث لا تبحث الدول فقط عن (إعادة إعمار ما تهدّم)، بل عن (إعادة تعريف الطريق الذي تسير فيه). والسودان، وهو يخرج من واحدة من أعقد مراحله، يجد نفسه أمام سؤال مصيري: هل يكون التحرير الاقتصادي هو بوابة العبور إلى المستقبل… أم طريقاً محفوفاً بالمخاطر؟
التحرير الاقتصادي، في جوهره،( ليس وصفة سحرية)، بل أداة. يقوم على تقليل تدخل الدولة، وفتح الأسواق، وتشجيع الاستثمار. وقد نجحت هذه السياسة في دول عديدة، حين وُضعت في سياق مستقر، وبُنيت على مؤسسات قوية. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيقها في( بيئة خارجة لتوها من الحرب)، حيث (الهشاشة هي السمة الغالبة).
السودان بعد الحرب لن يكون اقتصاداً طبيعياً؛ بل اقتصاداً مثقلاً بالجراح. (بنية تحتية منهكة)، (قطاعات إنتاج شبه متوقفة)،( دخول متدنية)، و(مجتمع أنهكته الصدمات). في مثل هذا الواقع، فإن تطبيق تحرير اقتصادي كامل وبصورة مفاجئة قد لا يؤدي إلى النمو، بل إلى مزيد من الاختلال. إذ يمكن أن ترتفع الأسعار بشكل يفوق قدرة المواطنين، وتتسع الفجوة بين الطبقات، وتظهر( قوى احتكارية تستغل ضعف الرقابة).
المشكلة ليست في مبدأ التحرير، بل في (توقيته وكيفية تنفيذه). فالاقتصاد، كالكائن الحي، يحتاج إلى تدرج في العلاج. لا يمكن الانتقال من حالة الانهيار إلى الانفتاح الكامل دون مرحلة انتقالية تعيد التوازن وتبني القدرة على المنافسة.
من هنا، يصبح الخيار الأكثر واقعية هو ما يمكن تسميته بـ “التحرير الاقتصادي المُدار”؛ نموذج يجمع بين دور الدولة في التوجيه والحماية، ودور السوق في الكفاءة والإنتاج. في هذا النموذج، لا تنسحب الدولة فجأة، بل تعيد بناء المؤسسات، وتضبط الأسواق، وتؤسس لبيئة استثمارية مستقرة، ثم تفتح المجال تدريجياً للمنافسة.
نجاح هذا المسار يتطلب أولاً( استقراراً أمنياً وسياسياً)، فبدون الأمن لا اقتصاد. كما يتطلب( إعادة بناء مؤسسات الدولة)، خاصة( المالية والرقابية)، حتى لا يتحول السوق إلى ساحة فوضى. ويظل العنصر الأهم هو (دعم القطاعات الإنتاجية)، وعلى رأسها الزراعة، التي تمثل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية في السودان.
ولا يمكن الحديث عن التحرير دون الحديث عن (العدالة الاجتماعية). فرفع الدعم وتحرير الأسعار، إن لم يُصاحبه( نظام حماية اجتماعية فعال)، قد يدفع شرائح واسعة إلى مزيد من الفقر. لذلك، فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
التجارب السابقة، في السودان وغيره، تُظهر أن التحرير حين يُطبّق بشكل متعجل، يتحول إلى عبء بدل أن يكون فرصة. أما حين يأتي ضمن رؤية وطنية متكاملة، فإنه يصبح أداة للنهوض، لا سبباً للانقسام.
التحرير الاقتصادي ليس خياراً بين القبول والرفض، بل بين التطبيق الذكي والتطبيق العشوائي. والسودان اليوم لا يحتاج إلى( قرارات سريعة) بقدر ما يحتاج إلى( رؤية عميقة).
فإما أن يكون التحرير بداية لاقتصاد منتج وعادل… أو يتحول إلى فصل جديد من المعاناة.
وفي لحظات كهذه، لا يكون التحدي في اختيار الطريق فقط، بل في كيفية السير فيه. وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل