د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
في ساعات قليلة تحولت زخات إقالة داخل الجهاز التنفيذي السياسي عاصفة من الشائعات والترقب قرارات إقالات محدودة أقدم عليها رئيس الوزراء كامل إدريس شملت وزراء ومستشارين ومديرين، لكنها فتحت نافذة على سيناريوهات أوسع تتحدث عن استعداد لعملية تبديل أخرى تستهدف إعادة ترتيب مراكز القرار في الدولة بتبديل وجوه لحكومة الامل
المشهد السياسي السوداني الراهن يعكس صراعَ موازين بين فريق في السلطة يسعى لفرض انسجام تنفيذي وقيادة مركزية، وفئات واسعة داخل الجهاز الإداري والميدان الشعبي ترى في كثير من الوجوه غطاء وكفاءة أقرب إلى نبض الشارع مما هو لصاحب القرار التنفيذي، هذا التباين يولد قلقاً حقيقياً حول معايير الإقالات هل مبنية على تقييم أداء مهني وشفافية مؤسسية أم على محاولات لإضعاف خصوم سياسيين أو إعادة تشكيل شبكة الولاء حول محور واحد؟
ثلاثة أسماء برزت كخطوط حمراء في النقاش العام السفير الحارث إدريس الذي يمثل الصوت السوداني في الأمم المتحدة ويحظى بمتابعة واسعة على الساحة الدبلوماسية، الدكتورة منى مطلعت الملفات الإقليمية التي أثارت سجالات علنية بأسماء ومواقف بمورتانيا وخالد الأعيسر الذي يوصف بأنه مدفع السياسات الداخلية والخارجية لصالح واجهات رسمية، تمس هؤلاء قد يؤدي إلى نتيجة مغايرة للمقاصد المرجوّة فقد يثير إبعادهم ردود فعل محلية ودولية تعقد إدارة الأزمة بدلاً من تبسيطها.
خلفية كامل إدريس الدولية وعلاقاته المتشعبة تطرح سؤالاً مفصلاً هل الهدف إعادة تموضع السودان إقليمياً ودولياً عبر تسوية هادئة تتطلب إزاحة بعض الوجوه، أم أن هناك محاولات لإرساء أجندة خارجية أو محلية بفعل شبكة علاقات خاصة؟ لا يمكن إغفال الاحتمالين معاً فالتحالفات الإقليمية والدولية تتقاطع اليوم مع الحسابات الداخلية للشرعية والموارد، وقد يدفع ذلك إلى حركات تستهدف خلق بيئة مسيطرَة يمكن خلالها تنفيذ سياسات بعيدة عن رقابة فاعلة.
المخاطر والمآلات المحتملة واضحة إقالات تستهدف رموزاً لها حضور شعبي ودولي قد تضعف الثقة مع الشركاء الدوليين وتثير استنكاراً داخلياً، كما أن تبديلات عشوائية قد تضر بالكفاءة المؤسسية في وقت البلاد بأمس الحاجة إلى استقرار وإدارة قادرة على مواجهة أزمة اقتصادية وأمنية وسياسية متداخلة، بالمقابل إدارة تغييرات مدروسة بشروط قانونية ومهنية، مع ضمان الحضور المؤسسي والشفافية، قد تمكّن الحكومة من إعادة هيكلة فعالة دون إشعال مواجهة مع الشارع أو الخارج.
في هذا الظرف من المتوقع أن تتوزع الردود بين مستنكرين يحمون ما يعتبرونه خطوطاً حمراء ومناورين يسعون إلى استثمار أي فراغ لتوسيع نفوذهم، وفئات تطالب بإصلاح جذري يتجاوز استبدال الوجوه إلى تغيير قواعد اللعبة، المطلوب عملياً معايير واضحة للإقالة والتعيين، آليات مساءلة شفافة وحوار جاد مع القوى السياسية والمجتمع المدني لتفادي فراغات تؤج الصراع.
خلاصة الأمر أن أي خطوات قادمة ينبغي أن تقاس بقدرتها على إحكام مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة الوطنية والدولية إن كان الهدف تسوية سياسية ناعمة فلتكُن على قاعدة توافقية واحترام للمكتسبات المؤسسية، وإن كان هدفها أجندات خارجية فستواجه مقاومة شعبية وسياسية قد تتجاوز قدرة أي قصر على احتوائها، على كامل إدريس أن يختار بوضوح بناء دولة مؤسسات أم إعادة تركيب شبكة سلطوية بأدوات تبدو قانونية لكنها قد تكلف البلد ثمناً باهظاً.
