د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
يبدو الحديث عن الصراع السوداني سؤالاً لغوياً وفكرياً يسبق أي نقاش سياسي أو إنساني حول الواقع المأساوي في البلاد هل ما يجري نزاع؟ أم حرب؟ الإجابة لا تستوعب إما/أو بسيطة فالظاهرة أوسع وأكثر تراصّفاً من كونها تسمية قانونية بحتة الصراع في سياق السودان هو حالة مركبة تتقاطع فيها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية، وتنتج عن تراكمات طويلة زمنياً من الإقصاء، التهميش وإعادة توزيع غير متكافئ للسلطة والثروة.
مصطلح حرب يعبّر غالباً عن مواجهة مسلحة منظّمة بين فاعلين قادرين على استخدام القوة لإحراز أهداف سياسية محددة، ويتطلب رصد انتهاكات واضحة للقانون الدولي الإنساني وحالات نزوح وقتلى بالآلاف أما نزاع فقد يكون أضيق نطاقاً، محصوراً في مناطق أو بين جماعات محددة وقد يكون سياسياً أو قبلياً أو إدارياً لكن الصراع يشمل كل ذلك ويزيد هو الاشتباك المستمر للثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع، التداعيات الاقتصادية للفساد والهشاشة، صراعات الهوية والهوامش الإقليمية، والتنافس على الموارد مثل الأرض والمياه.
في السودان تتداخل معركة السلاح مع أزمة شرعية مؤسساتية. وجود أعمال قتالية لا يلغي في الوقت ذاته جذور الأزمة البنيوية غياب حكم القانون، ضعف جهاز العدالة، اقتصاد منهك، وتعقيدات إثنية وجغرافية التي قد تبقى نشطة حتى بعد أي هدوء عسكري لذلك وقف النار ليس نهاية الصراع بالضرورة قد يكون بداية لمرحلة هشة ما لم تترافق مع تسوية سياسية عادلة محاسبة للانتهاكات وإصلاحات اقتصادية واجتماعية تستهدف الأسباب الجذرية.
من زاوية السياسات التسمية مهمة لأنها تحدد أدوات المعالجة تصنيف الوضع كحرب يبرر إجراءات إنسانية وأمنية دولية بينما النظر إليه كصراع بنيوي يستدعي نهج سلام شامل متعدد المستويات دستوري، اقتصادي، قضائي ومصالحة مجتمعية فالواقعية العملية تفرض الجمع بين مقاربات الطوارئ (حماية المدنيين والإغاثة) ومقاربات طويلة الأمد (إصلاح المؤسسات وإعادة توزيع عادل للثروة والسلطة).
الدرس السوداني يؤكد أن نجاح أي استراتيجية يتطلب الاعتراف بطبيعة الصراع المركبة: معالجة المظاهر المسلحة وفتح ممرات إنسانية عاجلة، وفي الوقت نفسه إطلاق عملية سياسية حقيقية تشمل كافة المكونات، وضمان آليات للمساءلة والعدالة الانتقالية، وبرامج تنموية تعالج الفوارق الإقليمية والاجتماعية. بدونه، يبقى أي وقف لإطلاق النار مؤقتاً وعرَّة للعودة إلى العنف.
خلاصة القول الأزمة السودانية ليست فقط “نزاعاً” ولا محض “حرب” بمعناها الضيق، بل صراع متعدد الأبعاد، الحلّ لا يبدأ أو ينتهي بوقف إطلاق النار، بل يمرّ عبر تسوية جزئية أو شاملة للعوامل البنيوية التي غذّت الأزمة طويلاً.
