د.طارق عشيري
نعيش في صباح كل يوم جديد علي مشاهد لقتل دماء برئيه لاذنب لها في هذه الحرب غير انها تعيش في وطن اسمه السودان تلك الدماء التي سالت في حرب الكرامة ليست (مجرد أرقام في سجلات الأحداث)، و(لا عناوين عابرة في نشرات الأخبار)، بل هي (وجعٌ عميق يسكن الذاكرة الوطنية)، و(أمانة ثقيلة في أعناق الأحياء). (إنها قصص بيوتٍ فقدت أبناءها)، و(أمهاتٍ ما زلن ينتظرن عودة من لن يعود)، وأحلامٍ توقفت في منتصف الطريق.
عبور هذه الدماء ليس أمراً سهلاً، لأن الجراح التي صنعتها أكبر من أن تُطوى بالنسيان أو تُعالج بالشعارات. فهي (دماءٌ تسأل عن معنى التضحية)، وعن وطنٍ يستحق أن تُبنى فيه دولة العدالة، وأن يسود فيه السلام، وأن لا تتكرر فيه المآسي.
إن أصعب ما بعد الحروب ليس توقف صوت الرصاص، بل القدرة على تحويل الألم إلى وعي، والحزن إلى مسؤولية، والخسارة إلى عهدٍ جديد يحفظ ما تبقى من الوطن ويكرّم من رحلوا من أجله.
فالدماء التي سالت لا يصعب عبورها فقط، بل يصعب تجاوزها دون مصالحة صادقة، وعدالةٍ منصفة، ورؤيةٍ وطنية تجعل من تلك التضحيات نقطة بداية لا محطة نسيان. لأن الأوطان التي تُبنى على الوفاء لدماء أبنائها،
(ستظل دماء الأبرياء محفورة في ذاكرة الوطن)،( لا يمحوها الزمن ولا تُطفئها تقلبات الأيام). فهي ليست (مجرد ذكرى حزن)، بل( عهدٌ أخلاقي ومسؤولية تاريخية) تُلزمنا أن نبني وطناً يليق بتضحياتهم، وطناً يسوده العدل، وتصان فيه الكرامة، ويعلو فيه صوت الحياة فوق كل أصوات العنف والخراب. إن الوفاء الحقيقي لدمائهم لا يكون بالبكاء عليهم، (بل بالعمل من أجل وطنٍ لا تُراق فيه الدماء مرة أخرى)، وطنٍ يتعلم من ألمه ليصنع مستقبلاً أكثر أماناً وعدلاً وسلاماً. هي وحدها التي تستطيع أن تعبر من الألم إلى المستقبل. وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل
