د.مهند عثمان التوم
مقدمة
شهد السودان تصاعد رياح غير عادية في وسائل التواصل الاجتماعي(الفيسبوك) من قبل أهل الصحافة بعد واقعة الموظف آيات مع الدكتورة سلمى عبد الجبار عضوة مجلس السيادة السوداني أجبرت علي تقديم استقالة بعد وجدت أشد انواع الحكم الحكم المجتمعي، فاستقالة د.سلمى لم تكن خطوة إدارية روتينية، بل انعكاس لزخم رقمي صحفي هز مؤسسات الدولة بسرعة غير متوقعة، منشور واحد على فيسبوك لم يمر مرور الكرام بل أعاد رسم حدود العلاقة بين الرأي العام والسيادة.
المشهد الأول: المنشور الذي أشعل الشارع
نشرت الصحفية رشان أوشي تقريراً تحلياً مصحوباً بشهادات ووثائق، تراوح بين اتهامات أخلاقية وإدارية تجاه الدكتورة سلمى، المنشور انتشر كالعدوى تعليقات ومشاركات ومقاطع فيديو قصيرة بالفيس والتيكتو الأكثر انتشار بالسودان، أعيد تغليفه بصياغات أخرى حتى صار ترند يتصدر منصات التواصل، ما كان في البداية مادة للنقاش الصحفي تحول داخل ساعات إلى أداة ضغط جماهيري.
المشهد الثاني: من التداول الرقمي إلى قرار رسمي
مصادر داخل المجلس أكدت أن الضغوط المتصاعدة على القنوات الرسمية والاتصالات المكثفة من شخصيات عامة ونقابات أدت إلى استنفار قيادة المجلس، بدلاً من انتظار نتائج تحقيق داخلي مطوّل، اختارت الدكتورة سلمى وفق مصادر مقربة تقديم الاستقالة كخطوة لإطفاء نار الأزمة ولحماية المؤسسة من مزيد من الانقسام العام، قرار الاستقالة لم يتخذ في فراغ كان نتاج تفاعل رقمي مؤثر مع حسابات سياسية وإعلامية ضغطت على جدول الأعمال الرسمي.
المشهد الثالث: تراكم الملفات أم شرارة عابرة؟
تحقيقنا يشير إلى أن اتهامات رشان لم تكن الوحيدة فقد تراكمت ملاحظات حول إدارة الدكتورة سلمى في ملفات سابقة، لكن ما ميز اللحظة هو تحويل هذه الملاحظات إلى قضية عامة عبر منصات التواصل، مصادر مقربة من الدكتورة تحدثت عن رغبتها في مواجهة الاتهامات داخل آليات مؤسسية لكنها فضلت الاستقالة لتجنب استنزاف المؤسسة وإطالة أمد الصدام الإعلامي.
المشهد الرابع: دور الصحافة الرقمية قوة أم ماكرة؟
الحادثة تثبت فعالية الصحافة الاستقصائية ووسائل التواصل في كشف ملفات عامة بسرعة، هذا يعطي أدوات رقابية جديدة للمجتمع المدني والإعلام لكنه يفتح أيضاً باب التساؤل عن مصداقية النتائج وسرعة الأحكام، تحويل تحقيق أو اتهام رقمي إلى قرار استقالة يثير مخاوف من أن مسار العدالة الإجرائية قد يتعرض للاختزال، حيث تستبدل آليات التحقق الرسمية بمحاكمات رأي عام قد تكون متأثرة بالتحيزات والانحرافات.
المشهد الخامس: انعكاسات سياسية ومؤسسية
– شرعية المجلس: التفاعل السريع مع نبض الشارع قد يعزز شرعية المؤسسات على المدى القصير لكنه يخاطر ببناء قرارات على موجات مؤقتة.
– ثقافة المساءلة: قد تشجع الواقعة مزيداً من المحاسبة لكن أيضاً قد تدفع المسؤولين لاتخاذ قرارات درء للفتن بدل الاعتماد على آليات رسمية.
– الإعلام الجديد: تبرز الحاجة لتقوية معايير التحقق والأخلاقيات في الصحافة الرقمية وتطوير قواعد لعمل المنصات مع الجهات الرسمية أثناء الأزمات.
المشهد السادس: ردود الفعل المجتمعية والمؤسسية
المجتمع انقسم بين من اعتبر الاستقالة انتصاراً للشفافية والرقابة الشعبية ومن رأى فيها ضحية لظاهرة (محاكم الجمهور السريعة) أحزاب ومجموعات مدنية دعت إلى تحقيق مستقل وشفّاف يبين الحقائق بينما طالب بعض النواب بتعديل آليات التواصل الرسمي للتعامل مع حملات التشهير والضغط الرقمي.
التأثير على شخصية المستقيلة
مصادر مقربة تقول إن الدكتورة سلمى قدمت استقالتها بعد مشاورات صعبة رغبة في الحفاظ على سمعتها وتفادياً لإطالة الصراع، لكنها أيضاً خسرت فرصة لتسوية بعض الاتهامات داخل آليات رسمية قد تمنحها تقييماً موضوعياً لممارساتها.
الدرس القانوني والأخلاقي
الحادث يؤكد حاجة عاجلة لآليات:
– تحقيق مستقل وسريع يحترم حقوق الدفاع والشفافية.
– بروتوكولات تعامل المؤسسات مع الحشود الرقمية والضغط الإعلامي.
– تعزيز أخلاقيات النشر والتحقق في الإعلام الاجتماعي لمنع التداول الخاطئ أو التضخيم المتعمد.
توصيات للمستقبل
– إنشاء هيئة تحقيق مستقلة تختص بقضايا المسؤولين تتضمن مؤسسات قضائية ومدنية.
– إقرار مدونة سلوك مهنية للصحافة الرقمية تتضمن مسؤولية النشر والتحقق.
– تدريب القيادات الحكومية على إدارة الأزمات الرقمية والتواصل الفعال مع الجمهور.
– حوار وطني لتحديد دور المنصات الرقمية في صناعة القرار العام وضوابط ذلك.
خاتمة
استقالة الدكتورة سلمى عبد الجبار لم تكن مجرد تحول شخصي أو مؤسسي، يمثل مشهد يعكس التحول العميق في ميزان القوى بين المواطن والإعلام والدولة، قوة الكلمة والمنصة الرقمية أثبتت أنها قادرة على إجبار صانع قرار على الانسحاب، لكن ذلك يطرح تحديات جوهرية لضمان أن تبنى القرارات النهائية على تحقيقات عادلة ومدعومة بأدلة لا على نبضات رقمية عابرة.
السودان أمام جملة أسئلة حول كيفية التوفيق بين المساءلة الشعبية واستقرار المؤسسات وسيادة القانون؟ أسئلة ينبغي أن تجاب بحوار مؤسسي وشفاف.
