يُشكل المشهد الإقليمي الراهن في جوار السودان مادة دسمة للتحليل العميق حيث تتصاعد بؤر التوتر والصراعات الداخلية في دول لطالما ارتبط اسمها بتحولات مؤثرة في المشهد السوداني والإقليمي برمته، إن ما يُلاحظ اليوم من اضطرابات متزايدة وتحديات أمنية معقدة في هذه البلدان، يدفع للتساؤل حول ما إذا كانت هذه الأحداث هي مجرد صدف عابرة ومنعزلة؟ أم أنها قد تكون انعكاسا لتفاعلات جيوسياسية عميقة ونتائج غير مقصودة لتورطات سابقة؟ فربما تكون بعض الدول قد ساهمت في نسج خيوط أزمات بعينها في سياقات سابقة تتعلق بالسودان والمنطقة هذا التقرير يستكشف طبيعة هذه الصراعات المتصاعدة في ثلاث من الدول المحيطة بالسودان محاولا ربطها بسياق أوسع يبرز التشابك الإقليمي وتأثيراته المتعددة الأوجه والآثار التي قد تعود على تلك الدول نفسها

في النيجر
تتفاقم الأوضاع الأمنية بوتيرة متسارعة وتثير قلقا دوليا وإقليميا حيث تشهد البلاد حراكا عنيفا لجماعات مسلحة لا يزال نفوذها يزداد واتساع رقعة عملياتها يثير مخاوف جدية وقد امتدت المواجهات لتطال مواقع بالغة الأهمية والحساسية بما فيها مناطق استخراج الموارد ومسارات التجارة الرئيسية في دلالة واضحة على هشاشة البنية الأمنية وقابلية البلاد للانزلاق نحو مزيد من الفوضى والاضطراب هذا التدهور السريع والمفاجئ يثير تساؤلات ملحة حول قدرة الدولة على احتواء هذه التحديات المتزايدة خصوصا في ظل تقارير سابقة أشارت إلى أدوار إقليمية ودولية مختلفة في دعم أو تأجيج صراعات معينة بالمنطقة وهي أدوار ربما تكون قد خلقت بيئة مواتية لبروز هذه الأزمات الراهنة واستفحالها

في ليبيا

فقد دخل الصراع مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية المباشرة ذات الأبعاد الاستراتيجية المعقدة تُشير المصادر إلى أن فصائل المعارضة الليبية قد تمكنت من إلحاق خسائر جسيمة بمليشيا حفتر سواء على صعيد الأرواح أو العتاد العسكري المادي كما نجحت في فرض سيطرتها على مواقع استراتيجية عديدة من أبرزها معبر التوم جنوب البلاد الذي يُعد شريانا حيويا للتواصل والتحركات العسكرية وتتحدث الأنباء كذلك عن أسر عدد غير قليل من الجنود التابعين لقوات حفتر في دلالة على تراجع ميداني كبير ومفاجئ مما يعكس تحولات ميدانية جوهرية قد تقلب موازين القوى بشكل جذري وتفتح آفاقا جديدة للصراع الليبي الممتد هذه التحولات تأتي في سياق لم تكن فيه ليبيا بمنأى عن التأثيرات المتبادلة مع جيرانها ومن ضمنهم السودان حيث توجد شبكة معقدة من العلاقات والمصالح والتدخلات المتبادلة

في إثيوبيا
تستمر التحديات الأمنية بالغة التعقيد والخطورة خصوصا في إقليم تيغراي الذي يشهد حربا أهلية طاحنة منذ فترة تُظهر المعلومات أن معارضة الإقليم قد نجحت في إلحاق خسائر فادحة بالجيش الإثيوبي ليس فقط على الصعيد البشري من خلال الأرواح التي فقدها بل وعلى الصعيد المالي من خلال تدمير معدات واستنزاف موارد كما تمكنت من السيطرة على مواقع استراتيجية حيوية داخل الإقليم وهو ما يمنحها ميزة تكتيكية كبيرة هذه التطورات لا تعكس فقط استمرارية الصراع بل تُبرز القدرة المتزايدة للأطراف المتنازعة على إحداث تغييرات ميدانية مؤثرة وعميقة مما يؤثر بشكل مباشر وعنيف على الاستقرار الداخلي لإثيوبيا ووحدتها الإقليمية وتأتي هذه التطورات في دولة كان لها تفاعلات واسعة ومعقدة مع السودان حول قضايا حدودية ومائية شائكة وكذلك سياسية إقليمية مما يجعل الأزمتين مرتبطتين بشكل غير مباشر

إن تزامن هذه الأزمات المتفاقمة في دول ارتبطت أسماؤها بطريقة أو بأخرى بالملف السوداني في فترات سابقة وتدخلات إقليمية يدفع بقوة إلى التفكير في الترابطية العميقة بين هذه الكيانات الجيوسياسية فهل تشكل هذه التطورات الراهنة دائرة أزمات واسعة النطاق ترتد على أصحابها وتطارد الدول التي ربما ساهمت في إذكاء نيران صراعات إقليمية في مشهد إقليمي يُعيد تعريف ديناميكيات القوة والاستقرار في شرق وشمال إفريقيا هذا ما يستدعي مزيدا من البحث والتحليل الأكاديمي المعمق والرؤى المستقبلية لفهم هذه الديناميكيات المعقدة