د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
أعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن فريقه يعمل جاهداً لإنهاء حرب السودان وأنه قريب جداً من إنجاز ذلك وأنها ستكون الحرب رقم 9 التي أنهتها إدارته أو ساهمت في إنهائها. تصريحات من هذا النوع تفتح نافذة على مجموعة من الأسئلة المنهجية ما هو المقصود بـإنهاء الحرب؟ ما دليل تحقيق هذا الادعاء؟ وما انعكاسات مثل هذا الخطاب على الأوضاع في السودان والمنطقة وعلى الساحة السياسية الأميركية؟
أول تحد يواجه أي تحليل هو غموض المصطلح إنهاء حرب قد يعني طيفاً واسعاً من النتائج من هدنة مؤقتة إلى اتفاق سلام شامل وتفكيك جماعات مسلحة أو إخراج عناصر أجنبية وتأمين حل سياسي دائم، لذلك يجب التفريق بين إنجاز دبلوماسي معلن واتفاق مكتوب وملزم، مع وجود آليات مراقبة وتطبيق على الأرض، وبين تصريحات إعلامية أو خطوات تمهيدية لا تتجاوز نطاق المفاوضات.
التحقق من ادعاء ترامب يتطلب دلائل ملموسة نصوص اتفاقات أو مذكرات تفاهم وأطراف سودانية موقعة جداول زمنية للتنفيذ وآليات مراقبة دولية أو إقليمية، وإشارات من الفاعلين المحليين بأن مستوى العنف تراجع بسببه، فحتى الآن لا تكفي تصريحات ترامب تأكيد إنهاء الحرب بالمعنى العملي.
السودان بلد يواجه أزمة متعددة المستويات منذ سنوات صراعات مسلحة إقليمية (دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق)، خلافات بين مؤسسات الدولة أزمات إنسانية إضافة إلى تأثيرات جيوسياسية واقتصادية، فأي دور خارجي فعال ينبغي أن يأخذ بالحسبان تعدد الفاعلين حكومية وعسكرية ومدنية ومسلحة، ومصالح دول إقليمية كالمهتمة بالاستقرار أو بنفوذها الاستراتيجي، ومن دون إشراك واسع محلي تظل أي صيغة حل هشة وقابلة للانهيار.
تصريحات ترامب تقع في سياق سياسي داخلي قوي استعراض القدرة على حل النزاعات جزء من سردية يعزز صورة القائد الحاسم أمام قواعد انتخابية ومحافل إعلامية باستحضار قائمة من الحروب التي أنهيناها قد يكون أداة للترويج الذاتي أكثر منها تقريراً عن إنجازات موثقة لذلك يجب قراءة هذه التصريحات ضمن استراتيجية رسائل انتخابية ودبلوماسية متقاطعة.
أي مسعى أميركي كبير نحو السودان سيقابله تفاعلات من قبل فاعلين إقليميين (مصر، إثيوبيا، دول الخليج، الاتحاد الأفريقي) والمنظمات الدولية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي) فالتنسيق أو الصدام مع هذه الجهات سيحدد فرص النجاح، كذلك للمجتمع السوداني المدني ومنظمات حقوق الإنسان رأي مركزي إن غياب مشاركتها قد يمنح أي اتفاق شرعية شكلية فقط.
في أفضل السيناريوهات يمكن لمفاوضات أميركية مدروسة أن تسهم في هدنة واسعة، فتح قنوات إنسانية وإطلاق سراح معتقلين وإرساء قواعد لمفاوضات سياسية أطول أمداً في أسوأها قد تولد تصريحات غير مدعومة بآليات تطبيق زيادة في التوتر استغلالاً سياسياً من قِبل أطراف محلية أو تهميشاً لوساطات إقليمية قد تؤدي إلى فشل أي مبادرة.
تصريحات ترامب بخصوص إنهاء حرب السودان مدعاة لتوقعات كبيرة لكنها تضع أمام الصحافة والمحللين مهمة التمييز بين الخطاب السياسي والإنجازات الموثقة، الأهم من الإعلان هو ما سيترجم فعلاً على الأرض نصوص واتفاقات وعمليات مراقبة تقلل المعاناة وتمهد لحل سياسي شامل ومستدام.
