تشهد مناطق كردفان ودارفور، وبصورة مكثفة، حرب مسيّرات محتدمة بين الأطراف المتصارعة، تُلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، وتكشف عن أبعاد إنسانية وأمنية مقلقة، حيث يجد المدنيون أنفسهم في مرمى النيران، بين مرارات النزوح وشح الاحتياجات الأساسية ومخاطر الاستهداف المتكرر.

المسيرات وقوات الدعم السريع: استهداف متكرر للمدنيين والبنى التحتية

تُظهر الأحداث الأخيرة نمطًا مقلقًا من استهداف قوات الدعم السريع عبر طائراتها المسيّرة لمناطق مدنية وحشود نازحين. ففي شمال كردفان، تعرضت شاحنة تقل نازحين في طريقها إلى “الرهد أبودكنة” للاستهداف المتكرر، مما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى بينهم أطفال ونساء. وتوالت الهجمات على مدن مثل “أم روابة” و”الرهد أبودكنة” نفسها، حيث أدت إحدى الغارات إلى استشهاد 24 شخصًا، بينهم نساء و8 أطفال ورضع، كانوا فارين من ولاية جنوب كردفان. ولم تسلم المرافق المدنية من هذه الهجمات، فقد تم استهداف مسيد “الشيخ أحمد البدوي” بمنطقة “الرهد أبودكنة”، مما أسفر عن استشهاد طالبين وإصابة آخرين، كما طالت الهجمات مدرسة علي الكرار الثانوية ومكتب تعليم مرحلة الأساس في مدينة “الدلنج” بولاية جنوب كردفان، وموقف المواصلات العامة في منطقة “الله كريم”. وتكررت هذه الهجمات على مناطق مثل “الأبيّض” و”كادوقلي”.

القوات المسلحة السودانية والرد بالمسيّرات: امتداد لساحات الصراع

في المقابل، نفذت القوات المسلحة السودانية بدورها عمليات استهداف عبر الطائرات المسيّرة طالت مواقع لقوات الدعم السريع وحركة أخرى في عدة مناطق. ففي شرق دارفور، تم استهداف فندق جلنار بمدينة “الضعين”. كما شملت الاستهدافات مواقع في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، ومواقع لقوات الدعم السريع في مدينة “بارا” بولاية شمال كردفان، ومنطقة “الدبيبات” بجنوب كردفان ومناطق بولاية جنوب دارفور كمدينة نيالا . وتوسعت هذه العمليات لتشمل مدينة “زالنجي” بولاية وسط دارفور، ومناطق بجنوب “كادوقلي”، وكذلك منطقتي “يابوس” و”ملكن” الواقعتين بجنوب إقليم النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية. وتؤكد هذه الضربات اتساع رقعة استخدام المسيّرات كأداة رئيسية في الصراع.

الأبعاد الإنسانية والأمنية: ثمن باهظ يدفعه المواطن

تترجم هذه الهجمات المتواصلة إلى كلفة إنسانية وأمنية هائلة على المواطن السوداني. فمن الناحية الإنسانية، يعيش السكان تحت وطأة الخوف الدائم من الاستهداف الجوي، وتتزايد أعداد النازحين الفارين من مناطق الاشتباكات، ليواجهوا ظروفًا معيشية قاسية تفتقر إلى أبسط الاحتياجات الأساسية من غذاء ومياه ورعاية صحية. استهداف قوافل النازحين يرفع من مستوى الخطر الذي يحدق بهم، ويحوّل رحلة البحث عن الأمان إلى رحلة موت محتملة.
أما البعد الأمني، فيتجسد في الانعدام شبه التام للأمان في العديد من المناطق، حيث تتجاوز دائرة الخطر مناطق الاشتباك المباشر لتشمل المدن والقرى التي يُفترض أن تكون آمنة. استخدام المسيّرات ضد أهداف مدنية أو قريبة منها يزيد من تعقيد الوضع الأمني، ويقلل من فرص المدنيين في النجاة أو الوصول إلى أماكن آمنة. كما أن وجود مخلفات الحرب والألغام، كما يُشير إليه تحذير المركز القومي لمكافحة الألغام، يضيف طبقة أخرى من التهديدات الأمنية التي لا تقتصر على فترة النزاع بل تمتد لسنوات طويلة بعده.

في ظل هذا المشهد القاتم، يبقى المواطن السوداني هو الضحية الأكبر لحرب المسيّرات، التي لا تُميز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتُلقي بظلالها على مستقبل أجيال بأكملها.