لطالما نُظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية كمنارة للحرية وقوة عظمى تدفع بالتقدم، لكن نظرة عميقة في سجلها التاريخي الذي يمتد لقرنين ونصف، تكشف عن جانب آخر مليء بالصراعات الدائمة، التدخلات الخارجية، والانتهاكات التي طالت شعوباً وثقافات مختلفة عبر القارات. من تأسيسها إلى يومنا هذا، يبدو أن تاريخ أمريكا ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرب والدم، تاركاً وراءه إرثاً معقداً من الجدل.

بدايات دامية ومسيرة استعمار:

منذ تأسيسها عام 1776، أمضت الولايات المتحدة 228 عاماً من أصل 249 في حالة حرب، ما يعني أنها عاشت بسلام 21 عاماً فقط. هذه المسيرة بدأت بإبادة شبه كاملة لسكان أمريكا الأصليين، الهنود الحمر، الذين قُدّر عددهم بـ 112 مليون نسمة قبل الغزو الأوروبي، ولم يتبق منهم سوى ربع مليون بحلول عام 1900. ويُوثّق التاريخ 93 حرباً جرثومية شُنت ضدهم.

توازى ذلك مع عملية استرقاق واسعة النطاق، حيث خُطف 12.5 مليون إفريقي، لم يصل منهم سوى 10.7 مليون، فيما مات 1.8 مليون في الطريق. وتقدّر نسبة المسلمين بينهم بـ 1.25 إلى 3.75 مليون مسلم، استُعبدوا ليساهموا في تأسيس ثروة الولايات المتحدة وقوتها العالمية. المفارقة تكمن في إعلان الاستقلال لعام 1776 الذي نص على أن “الناس جميعاً خلقوا أحراراً”، بينما استمر الرق 87 عاماً بعده، والعنصرية لـ 188 عاماً أخرى. بل إن توماس جيفرسون، كاتب الإعلان، توفي وهو يمتلك 300 عبد وجارية. وحتى الرؤساء، باستثناء جون كينيدي الكاثوليكي المغتال، كانوا جميعاً بروتستانت.

هيمنة وتدخلات عالمية لا تتوقف:

لم يقتصر سجل الصراعات الأمريكية على حدودها، بل امتد ليطال العالم. فمنذ عام 1945، حاولت أمريكا قلب أنظمة الحكم في 127 دولة، وسعت لاغتيال 54 زعيماً وطنياً، وأشعلت حروباً أهلية في 85 دولة، كما أطاحت بـ 40 حكومة وطنية وسحقت أكثر من 30 ثورة شعبية. ومنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) 76 مرة، 57 منها ضد حقوق المسلمين في فلسطين.

وشهدت منطقة شمال إفريقيا أولى حروب أمريكا الخارجية ضد المسلمين، حتى أنها دفعت الجزية لحكام إيالة الجزائر لمدة 18 عاماً (1795-1812) قبل أن تبني أسطولها.

حروب وحشية وضحايا بالملايين:

سجل الحروب الأمريكية يحفل بأرقام صادمة وفظائع موثقة. في الفلبين، التي كانت عاصمتها “أمان الله” إسلامية قبل أن يستولي عليها الأمريكان من الإسبان ويحوّلوها إلى مدينة ذات أغلبية مسيحية، استغرقت السيطرة على المناطق المسلمة 128 ألف جندي أمريكي. وقتل الأمريكيون 55 ألف فلبيني في جزيرة سامار وحدها، بينهم 8294 طفلاً و2714 امرأة، بأمر من الجنرال جولدن سميث. وذكر التاريخ أن الجنرال بيرشنغ، قائد القوات في الفلبين، كان يغمس الرصاص في دم الخنازير قبل قتل المجاهدين، ثم يدفنهم مع الخنازير.

وفي الحرب العالمية الثانية، قصفت أمريكا طوكيو بالقنابل الحارقة في 26 مايو 1945، مما أسفر عن مقتل 125 ألفاً في يوم واحد، وبلغ عدد ضحايا الغارات الأمريكية على اليابان في الأشهر الخمسة الأخيرة من الحرب 900 ألف مدني. كما قُصفت ألمانيا بنصف مليون طن من القنابل، موقعة 300 ألف قتيل و780 ألف جريح.

وفي فيتنام، أسقطت أمريكا قنابل تعادل ثلاثة أضعاف ما استخدم في الحرب العالمية الثانية مجتمعة (ما يعادل 640 قنبلة هيروشيما). وفي كمبوديا أدت حملة القصف الجوي في السبعينيات إلى مقتل 750 ألف شخص.

دعم الكيانات ودور مشبوه في تغيير الهويات:

دعمّت أمريكا تأسيس الكيان الغاصب في فلسطين عسكرياً واقتصادياً واستخباراتياً منذ الاعتراف الدبلوماطي عام 1948، وتواصل دعمها العسكري والسياسي لجرائم أدت إلى مقتل مئات الآلاف من الفلسطينيين على مدى 75 سنة.

كما أشرفت على عملية “العصفور الأزرق” وبرامج وكالة الاستخبارات المركزية لتغيير المناهج في الدول الإسلامية ونشر العلمانية وتفكيك الهوية الدينية. وشاركت في انقلاب إندونيسيا عام 1965 بقيادة سوهارتو، وقدمت قوائم بأسماء الشيوعيين والمعارضين، مما أدى إلى مقتل أكثر من مليون شخص، كثير منهم مسلمون. وفي أمريكا اللاتينية، قادت “عملية كوندور” لاغتيال واعتقال المعارضين في السبعينيات والثمانينيات.

خاتمة: تاريخ معقد يطرح أسئلة:

إن هذا السجل التاريخي الطويل من الصراعات والتدخلات العسكرية والسياسية، والتناقض الصارخ بين المبادئ المعلنة والممارسات على أرض الواقع، يرسم صورة معقدة للولايات المتحدة الأمريكية، صورة تستدعي نقداً عميقاً وفهماً شاملاً لتأثيراتها على العالم. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تقييم هذا الإرث، وهل يمكن للقوة العظمى أن تتصالح مع صفحاتها الأكثر قتامة؟