مني أركو قدم في مقال منشور قراءة سياسية نقدية للهدن الإنسانية المقترحة في السودان، معتبراً إياها “فخاً” سياسياً خطيراً يهدف إلى تقسيم البلاد وتقويض سيادتها، ومنح الشرعية لقوات الدعم السريع ككيان موازٍ للحكومة الشرعية. يستنكر مناوي توقيت طرح الهدنة بعد جرائم الفاشر، ويُشبّه المسار الحالي بما أدى إلى انفصال جنوب السودان، محذراً من تحول الهدن إلى أدوات لتفكيك الدول. ويشدد على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وحكومته وجيشه، منتقداً غياب الشفافية في المفاوضات.
🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷
الهدنة الانفصالية: قراءة سياسية في مستقبل السودان
مني أركو مناوي دومي
منذ اندلاع الحرب في السودان ، تحول الحديث عن “ الهدن الإنسانية ” إلى لازمة سياسية متكررة ، تستدعى كلما بلغت المأساة الإنسانية ذروتها ، غير أن الهدنة المطروحة اليوم تأتي في سياق مختلف وخطير ، إذ أعقبت ارتكاب قوات الدعم السريع ( تأسيس ) جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في مدينة الفاشر ، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي شهدها تاريخ السودان الحديث والإنسانية كلها ، الفاشر التي كانت يوماً رمزاً للتنوع والتعايش ، تحولت إلى مدينة منكوبة خالية من سكانها وفي أعقاب هذه الجريمة الكبرى ، عاد المجتمع الدولي لطرح “ الهدنة الإنسانية ” كخيار مطروح وهو ما يستدعي قراءة سياسية متأنية لا تكتفي بالشعارات الأخلاقية ، بل تفكك الدوافع والنتائج المحتملة ، لا سيما على وحدة السودان الجغرافية والاجتماعية والسياسية
#الهدنة :- مسار للسلام أم مدخل للتفكيك …..؟
في الثقافة الشعبية يقال: “ إذا رأيت فقيراً يأكل دجاجاً ، فإما أن الفقير مريض أو أن الدجاجة مريضة ” هذا المثل يلخص جوهر الشك السياسي المشروع تجاه توقيت هذه الهدنة ، فالهدن الإنسانية ، من حيث المبدأ ، تعد أدوات لتخفيف معاناة المدنيين وقد تمهد لإنهاء النزاعات ، غير أن ما يثير الريبة هو أن هذه الهدنة طرحت بعد وقوع الكارثة ، لا قبلها، وبعد أن رفضت قوات الدعم السريع ( تأسيس ) بشكل قاطع أي التزام إنساني ، بما في ذلك حماية المستشفيات وتأمين الممرات الآمنة ، اما الآن ، أن المنظمات الإنسانية تعمل في معظم مناطق السودان، بما فيها دارفور، رغم التعقيدات الأمنية في ظل غياب الهدنة . وعليه، يصبح السؤال مشروعاً :- لماذا الآن؟ ولمصلحة من تُطرح هذه الهدنة في هذا التوقيت تحديداً …؟ إن هذا التناقض يفتح الباب أمام الشك في أن الهدف يتجاوز البعد الإنساني ، ليطال إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للبلاد ، الهدن في التجارب التاريخية :- دروس لا يجوز تجاهلها التاريخ الحديث زاخر بالأمثلة التي تحولت فيها الهدن الإنسانية من أدوات تهدئة إلى مقدمات للتفكيك والانفصال ، في الصحراء الغربية ( بوليساريو)، ليبيا، الصومال، اليمن وجنوب السودان، لم تكن الهدن دائماً جسوراً للسلام ، بل كانت في كثير من الأحيان محطات انتقالية نحو تقسيم الدول وتآكل سيادتها ، وفي الحالة السودانية تحديداً، تمثل عملية “شريان الحياة” عام 1993 مثالاً صارخاً على كيفية توظيف العمل الإنساني كمدخل سياسي، انتهى لاحقاً بانفصال جنوب السودان عبر استفتاء، سبقه مسار طويل من التطبيع مع واقع الانقسام ، غير أن الوضع الراهن أكثر خطورة وتعقيداً، إذ لا يتعلق الأمر بحكومة تفاوض حركة سياسية ذات مطالب وطنية، بل بحالة غير مسبوقة يجتمع فيها طرفان يدّعيان تمثيل “الحكومة” داخل دولة واحدة: حكومة السودان الشرعية من جهة، وقوات الدعم السريع (تأسيس) التي تسعى لتكريس كيان مواز من جهة أخرى
فخ الاعتراف السياسي المقنع
إن التفاوض بين “حكومتين” داخل دولة واحدة لا يمثل سابقة سودانية فحسب، بل يشكل فخاً سياسياً خطيراً، يهدف إلى انتزاع الاعتراف بقوة الأمر الواقع عبر ورقة الهدنة. فمجرد التوقيع المشترك يمنح الطرف المتمرد صفة الندية والشرعية، وهو ما يتناقض جذرياً مع التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب السوداني دفاعاً عن وحدة الدولة وسيادتها ، هذا المسار يشكل خرقاً مباشراً للمبادئ الأساسية التي سقط من أجلها الشهداء وترملت بسببها النساء، وعلى رأس المبادي
أولاً :- مبدأ وحدة السودان
قوات الدعم السريع (تأسيس) انتهكت هذا المبدأ عبر استقدام عناصر أجنبية ومرتزقة، واستغلال دعم خارجي لفرض تغييرات ديمغرافية قسرية، في محاولة لإعادة تشكيل السودان وفق أجندات لا تمت بصلة للإرادة الوطنية.
ثانياً :- مبدأ وحدة الحكومة والشرعية الدستورية
السعي لتكوين “حكومة موازية” يمثل تقويضاً مباشراً لشرعية الدولة السودانية، وضرباً للأسس التي قامت عليها منذ الاستقلال، وفتحاً لباب الفوضى السياسية والانقسام المؤسسي.
ثالثاً :- وحدة المؤسسة العسكرية
تلقي الدعم السريع تسليحاً ومعدات قتالية من دول أجنبية، واعتماده على النهب والتمويل الذاتي، يتناقض كلياً مع أي حديث عن إصلاح أمني أو بناء جيش وطني موحد، ويؤسس عملياً لتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة.
غموض المفاوضات وغياب الشفافية
يزداد القلق مع غياب الشفافية التامة حول تفاصيل الهدنة. لماذا تُدار المفاوضات خلف الأبواب المغلقة؟ ولماذا يُقصى الشعب السوداني عن معرفة ما يُبرم باسمه؟ وكيف لدول خارجية أن تتفاوض نيابة عن شعب ينزف تحت وطأة الحرب والتهجير؟ ومن يحق له الاطلاع بمهام السلام اكثر ممن ؟ وهل هناك أولويات اكثر من إدارة الحرب القائمة التي يشاركها الجميع ؟
الأخطر من ذلك أن الطرف الذي “يحمل القلم” في العملية السياسية هو ذاته الذي “يحمل المدفع” ويمارس القتل والتطهير، في مفارقة أخلاقية وسياسية لا يمكن القبول بها.
الهدنة كعتبة للتفكك الشامل
بقراءة شاملة لمسار الأحداث، تبدو هذه الهدنة أقرب إلى أن تكون مدخلاً لتفكيك الدولة السودانية، لا جسراً لإنقاذها. فهي قد تقود إلى ترسيخ واقع التقسيم: مناطق نفوذ، جيوش متعددة، عملات مختلفة، بنوك مركزية متوازية، وزارات خارجية متنازعة، وجوازات سفر متعارضة. أي دولة بلا دولة، وسيادة بلا سيادة.
هذا مرض معدي ، عاجلاً او اجلاً سيصيب كل من هو في الساحل والمصب والمنبع .
في الخاتمة:
بين الواجب الإنساني واليقظة الوطنية
لا يختلف اثنان على أولوية تحسين الأوضاع الإنسانية وحماية المدنيين. غير أن الهدنة التي يُراد تمريرها اليوم قد تحمل في طياتها استقراراً مؤقتاً، مقابل ثمن استراتيجي فادح يتمثل في تقويض وحدة السودان ، إن الواجب الوطني يقتضي أعلى درجات اليقظة والحذر، حتى لا تتحول الهدنة إلى فخ سياسي يُستكمل به مشروع تفكيك الدولة. فالتاريخ لا يرحم من فرّط في وطنه، ولا يغفر لمن استبدل السيادة الوطنية بإملاءات الخارج. مع الإقرار الكامل ان الأزمة جذورها تاريخيّة متراكمة .
وسيظل الأمل معقوداً على وعي الشعب السوداني وقدرته على التوحد في مواجهة هذه اللحظة المصيرية، دفاعاً عن وطن واحد، وجيش واحد، ودولة واحدة، لا تقبل القسمة ولا الوصاية. إلا بارادة شعبها في الاطر التقليدية المعروفة بعيدة عن وضع اليد او فرض الحالة بالسلاح.
🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷
يكشف هذا النص عن تداعيات الصراع على الشرعية والسردية في سياقات النزاع المسلح. ينطلق مناوي من موقف رافض لأي مسار تفاوضي يمنح “قوات الدعم السريع” صفة الندية أو الاعتراف كطرف حكومي، معتبراً ذلك انتهاكاً لمبدأ سيادة الدولة ووحدتها الترابية ويُعطي شرعية لـ “قوة الأمر الواقع”.
من منظور الدبلوماسية الإنسانية وعلاقتها بالسياسة، يمثل النص نقداً لاذعاً لـ “استغلال” المفهوم الإنساني كغطاء لأهداف سياسية خفية، وهي ظاهرة تُدرس في سياق “سياسية المساعدات” (Politics of Aid). فالتساؤل عن “لماذا الآن؟” بعد وقوع كارثة الفاشر، يشير إلى شكوك عميقة حول الدوافع الحقيقية وراء الدعوات للهدن، ويربطها بأجندات قد تكون خارجية أو تسعى لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للسودان.
يركز التحليل على مفاهيم “الدولة الفاشلة” و”تفكك الدولة”، حيث يشير مناوي إلى سيناريوهات كارثية مثل تعدد الجيوش والعملات والحكومات الموازية، وهي مؤشرات كلاسيكية لتآكل السلطة المركزية وفقدان الدولة لسيطرتها على مقوماتها الأساسية. كما يُظهر النص توجساً من التدخلات الخارجية وغياب الشفافية، مما يُبرز تعقيدات أدوار الفاعلين الدوليين في صراعات الدول، ومدى تأثير أجنداتهم على مسارات الحلول المطروحة. النص يدعو ضمنياً إلى مقاربة أكثر شمولية وشفافية تراعي وحدة الدولة والقرار الوطني بدلاً من الاستسلام لإملاءات قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.
