على مشارف عام جديد، يبدو أن المملكة العربية السعودية قد استيقظت، وإن متأخرة، على تحولات إقليمية عميقة تهدد استقرارها وأمنها القومي. ففي قلب مشهد عربي مضطرب، حيث تتصادم المصالح وتتشابك التحالفات، بدأت الرياض تعيد تقييم صمتها السابق إزاء ما يوصف بـ”مشاريع وظيفية” تقودها أطراف إقليمية بالتنسيق مع قوى دولية، وهو ما يفسر تحركاتها الأخيرة في ملفات حساسة كحرب السودان. هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المواجهة الخفية التي تبرز اليوم على السطح، وحول مستقبل المنطقة بين استقلالية القرار ومخاطر التفتيت.
خلفية المشهد: تنافس على النفوذ وتهديدات كامنة
منذ سنوات، شهدت المنطقة صعود لاعبين جدد يسعون لتوسيع نفوذهم في ملفات إقليمية حساسة، من اليمن وليبيا والقرن الإفريقي. هذا التمدد، الذي يوصف في أوساط سياسية بأنه “مشاريع وظيفية”، استند على تحالفات جديدة، لعل أبرزها التطبيع مع إسرائيل الذي فتح الأبواب أمام مشاريع مشتركة أمنية واقتصادية، لكنها تُقرأ في الرياض على أنها تهديد مباشر لمعادلة الأمن القومي السعودي. كان الصمت السعودي السابق تجاه هذه التحركات محل تفسيرات متباينة، بين كونه جزءاً من حسابات استراتيجية معقدة، أو نوعاً من التواطؤ المرحلي الذي انتهى عندما شعرت الرياض بأن الخطر بات يمس مصالحها الحيوية بشكل مباشر.
التحركات السعودية في السودان: تجسيد لليقظة الجديدة
في هذا السياق، تأتي تحركات المملكة العربية السعودية في ملف السودان كأحد أبرز مظاهر هذه “اليقظة المتأخرة”. فالحرب الدائرة في السودان، وما تمثله من تهديد للاستقرار الإقليمي والأمن القومي العربي بشكل عام والمصالح السعودية في البحر الأحمر بشكل خاص، دفعت الرياض إلى تحرك دبلوماسي ونشاط وساطة مكثف، سعيًا لوقف الاقتتال وتحقيق الاستقرار. هذا التحرك، بعيداً عن كونه مجرد مبادرة إنسانية، يعكس إدراكاً سعودياً متزايداً بأن ترك الساحة السودانية نهباً للفوضى أو للتدخلات الخارجية سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتهديد مباشر لمحيطها الجغرافي والسياسي. فالرياض تسعى، من خلال جهودها في السودان، إلى استعادة زمام المبادرة في ملف إقليمي حيوي، والحد من أي نفوذ قد يخدم أجندات تتقاطع مع “المشاريع الوظيفية” التي باتت تشعر بخطرها.
الموقف الجزائري: صوت التحذير المبكر
على النقيض من “اليقظة السعودية المتأخرة”، كانت الجزائر من أوائل الدول التي نددت وحذرت من هذه السياسات منذ البداية. فبحكم تاريخها الثوري وموقفها الثابت من السيادة الوطنية، لم تتردد الجزائر في وصف بعض الكيانات بأنها “دويلة وظيفية”، وهو خطاب يضعها في موقع أخلاقي متميز ويعكس إدراكاً مبكراً لمخاطر التفتيت وزرع الفتنة. ترى الجزائر أن هذه المشاريع لا تستهدف دولة بعينها، بل تهدف إلى ضرب وحدة العالم العربي عبر الانقسامات.
تناقضات أخلاقية وسياسية: ثمن الصمت والتحرك
الصمت السعودي السابق، ثم التحرك اليوم، يثير تساؤلات حول حدود المسؤولية الأخلاقية والسياسية. هل كان تجاهلاً أم حساباً بارداً؟ وهل كانت التكلفة باهظة؟ من جهة أخرى، ورغم وضوح خطاب الجزائر، فإنها تواجه تحديات في تحويل هذا الموقف إلى تأثير فعلي في موازين القوى الإقليمية. ما يحدث اليوم قد يكون جزءاً من إعادة توزيع للأدوار في المنطقة، حيث تتحول بعض الدول إلى أدوات لمشاريع خارجية، بينما أخرى تحاول الحفاظ على استقلالية قرارها وسيادتها.
الخاتمة: البحث عن السيادة في موزاييك ممزق
المشهد العربي اليوم يكشف عن تناقضات عميقة: دول تستيقظ متأخرة على مشاريع كانت تتشكل منذ سنوات، وأخرى تحذر منذ البداية لكنها تجد نفسها معزولة في خطابها. بين السعودية التي شعرت بالخطر عندما وصل إلى حدودها وتحركت في السودان لتأمين مصالحها، والجزائر التي نددت منذ البداية، تتضح صورة “الموزاييك العربي الممزق”. فالمشاريع الوظيفية تتداخل مع حسابات الأمن القومي، وتبقى الهوية العربية مهددة بالفتنة والتفتيت، ما لم تستعد شعوب المنطقة وقواها الفاعلة روح السيادة والقرار المستقل.
