في شهادة علنية نادرة نقلها بودكاست “سودان 360” في فبراير 2026، قدم العميد الركن الدكتور محمد عوض فضل الله، رئيس الإدارة المالية السابق بهيئة أركان الجيش السوداني، رواية تفصيلية تهز ستار السرية الذي ألفه المحيط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية. وفق إفادته، لم تكن العلاقة بين الجيش وبعض القوى المدنية مجرد شراكة إدارية؛ بل تحولت إلى آلية تمكين لمنظومات تنظيمية منضوية تحت رايتي المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، عملت على إدارة شركات كبرى “بعقلية التنظيم” لا بعقلية الدولة.
تفاصيل الإفادة تشير إلى اختلالات هيكلية: مؤسسات اقتصادية تابعة أو متحالفة مع الجيش أُديرت خارج الأطر الرقابية، وتدفقت من خلالها موارد عامة بكميات كبيرة إلى وجهات خارجية غير معلنة. ويذكر فضل الله تحويلات تقدر بأكثر من 150 مليون دولار، وصفها بأنها خرجت متجاوزة القنوات الرسمية والرقابية، ما أدى إلى إضعاف الخزانة العامة وتعزيز ما أسماه “عسكرة الاقتصاد” — أي تحويل دور العسكري من دفاعي إلى تاجر وممول لمصالح فئوية.
إقالة فضل الله بعد تقارير مهنية جيدة تطرح أسئلة إضافية عن آليات المساءلة داخل المؤسسة وأسباب استبعاد الأصوات المطالبة بالشفافية. شهادته لا تقتصر على اتهام أشخاص أو تنظيمات، بل تضع صورة أوسع لصراع على الموارد بين مراكز قوة داخل الدولة، يجعل أي إصلاح عسكري أو أمني مرتبطاً بحل الشبكات الاقتصادية والمالية المهيمنة.
الملابسات التي كشف عنها تضع المجتمع الدولي والجهات الرقابية المحلية أمام مسؤولية فتح تحقيق مستقل يتتبع مسارات الأموال، ويعيد التأكيد على أن استرداد السيادة الاقتصادية للدولة واستقرارها الأمني مرهونان بكشف شبكات التمويل غير الرسمية ومسؤولية القائمين عليها. في ضوء هذه الإفادة، يتحول نقاش الإصلاح من مفردات أمنية بحتة إلى مشروع وطني لإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد العام.
