د.طارق عشيري
كثيرا ماتطرقت عبر الهمسه عن العودة إلى الخرطوم فهي ليست مجرد رجوعٍ إلى (مدينةٍ أنهكتها الحرب)، بل هي عودةٌ إلى (فكرة الدولة نفسها)، إلى( مركز القرار والرمزية الوطنية)، وإلى( اختبارٍ حقيقي لإرادة الصمود وإعادة البناء). الخرطوم اليوم تقف على مفترق طرق إما أن تتحول عودتها إلى (نقطة انطلاق نحو التعافي الوطني)، أو أن تبقى جراحها مفتوحة بفعل تعقيدات المرحلة وثقل التحديات.
يظل( الأمن هو التحدي الأكبر والأكثر إلحاحًا). فاستقرار الخرطوم شرطٌ لازم لنجاح أي عودة منظمة. بسط هيبة الدولة، وجمع السلاح، وضمان عدم عودة المظاهر المسلحة، كلها مهام تتطلب رؤية أمنية متكاملة لا تقتصر على المعالجة العسكرية وحدها، بل تشمل المصالحة المجتمعية والعدالة وسيادة القانون.
الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، والاتصالات؛ دونها تصبح (العودة مغامرة قاسية على المواطن). إعادة تشغيل البنية التحتية لا تعني فقط إصلاح ما تهدّم، بل تحديثه بما يمنع تكرار الهشاشة السابقة. الخرطوم تحتاج إلى “تشغيل ذكي” للمدينة، يبدأ بالخدمات العاجلة وينتهي بخطط استدامة طويلة الأمد.
ثم ( التحدي الاقتصادي وعودة النشاط الإنتاجي)
الاقتصاد هو روح العودة. فتح الأسواق، دعم صغار التجار، إعادة المصارف للعمل، وتسهيل التحويلات، كلها خطوات تعيد الثقة وتكسر دائرة الركود. كما أن عودة المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص إلى الخرطوم ستنعكس على بقية الولايات،( شرط أن تكون العودة متوازنة لا مركزية خانقة).
ما خلّفته الحرب( أعمق من الدمار المادي). نزوح، فقدان، صدمات نفسية، وتفكك اجتماعي. العودة إلى الخرطوم يجب أن( تراعي البعد الإنساني)، عبر برامج للدعم النفسي، ولمّ الشمل، وتعزيز التعايش، حتى لا تتحول المدينة إلى مساحة للتوتر والاحتقان.
خامسًا: الإدارة والحوكمة الرشيدة
نجاح العودة مرتبط (بإدارة فعّالة وشفافة). (المطلوب إدارة أزمة تتحول سريعًا إلى إدارة تعافٍ) ثم إلى (إدارة تنمية). (مكافحة الفساد)، و(ضوح الصلاحيات)، و(إشراك المجتمع المحلي)، عناصر لا غنى عنها لاستعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
العودة إلى الخرطوم ليست نهاية الحرب، لكنها بداية معركةٍ من نوعٍ آخر: (معركة البناء)، و(استعادة الدولة، وترميم الثقة بين المواطن والوطن). إنها مرحلة تتطلب شجاعة القرار، وصدق النوايا، والعمل الجماعي. فإذا نجحت الخرطوم في النهوض، نهض معها السودان كله، وإذا تعثرت، طال التعافي وتأخر الحلم.
