د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
القصص تروى لتعلم الحكمة وتجلي الفطنة ومن بين تلك القصص حكاية جمل أبى دخول مسلخه بعد أن باعه صاحبه لتجار إلا برفقة من وثق به ورباه، ليدرك صاحبه أن الوفاء لا يباع ولا يشترى بمال وأن غدر من ائتمنك روحاً هو ذنب لا يغتفر إنها حكاية تعكس جوهر الكرامة والعهد الذي يحفظ الروابط المقدسة.
لكن اليوم، وفي قلب السودان الجريح، تتناثر حكايات أشد مرارة، تُلطّخ صفحات تاريخنا المعاصر بمداد الخيانة السوداء. فبينما يرفض الجمل الأبي المسلخ، يهرول البعض، بكل خسة، لبيع تراب الوطن وكرامة الأمة في سوق النخاسة الرخيص. يا من بعتم السودان! يا من بعتم الأرض والعرض، يا من بعتم دماء الشهداء وأنين الأمهات! بأي ثمن؟ بأي ميثاق خنتم عهد الأجداد ونكثتم قسم الأبناء؟ هل تُباع كرامة أمة؟ هل تُساوم سيادة وطن؟ هل يُداس على شرف شعب بأكمله لأجل حفنة من الفتات، أو وهم سلطة زائلة، أو وعود براقة من قوى ظلامية لا ترى فيكم سوى أدوات رخيصة لمآربها الدنيئة؟
لقد اخترتم الذل بدلاً من العز، والخضوع بدلاً من الكرامة. أصبحتم مجرد أشباح تتجول في أزقة الخيانة، بلا هوية، بلا شرف، بلا انتماء. كل شبرٍ يُباع من أرضنا، وكل قطرة دم تُسفك، وكل دمعة تُذرف، هي صك اتهام يخطّ على جباهكم وصمة عارٍ لن تمحوها قرون من الزمن. فقد بعتم ما لا يُقدر بثمن، بعتم الهوية والوجود، والأصالة والشهامة، وبدلتموها بحياة العار والتدني.
إن السودان، أرض النيلين ومهد الحضارات، لم ولن يكون سلعة تُعرض في مزاد الخونة. إن أبناءه الأحرار، الذين يرفضون الذل ويصونون الشرف، هم الروح الحقيقية لهذا الوطن. هم من يدركون أن الكرامة ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُتخذ، وتضحيات تُقدم، وعهد لا يُخان.
فليعلم كل من تسول له نفسه العبث بمصير هذا الوطن، أو يظن أنه يستطيع أن يبيعه في سوق النخاسة، أن التاريخ لا يرحم، وأن لعنة الخيانة تلاحق أصحابها في كل زمان ومكان. وأن الشعب السوداني، وإن طال به الأمر، سينتفض ليمحو آثاركم السوداء، ويُعيد بناء مجده فوق أشلاء آثامكم. فشتان بين من أقسم أن يحمي من وثق به، وبين من غدر بوطن وشعب وثقا به. الفرق بين العار والخلود.
