إعداد: د.مهند عثمان التوم
في قلب ولاية جنوب دارفور، التي طالما عانت من الصراعات والتحديات التنموية، ارتفعت جامعة نيالا كمنارة علمية أُسست على وعود طموحة لخدمة المجتمع وتأصيل الهوية والنهوض بالبحث العلمي، منذ نشأتها في عام 1983 تحت مظلة جامعة دارفور وتطورها لتصبح جامعة الفاتح من سبتمبر في عام 1991، ثم جامعة مستقلة مع كلية العلوم البيطرية كنواتها عام 1994، حملت الجامعة على عاتقها أهدافاً متعددة الأوجه وسعت رؤيتها لتأكيد الهوية الوطنية وإجراء البحوث التطبيقية وصولاً إلى التفاعل المباشر مع المواطن في الريف إلا أن مسيرة الجامعة شهدت تحولات عميقة وتحديات متزايدة بلغت ذروتها مع اندلاع الحرب التي ألقت بظلالها المدمرة على كل مقوماتها.
رؤية ثاقبة تقارع تحديات الواقع
تتلخص رسالة جامعة نيالا في ثمانية أغراض رئيسية يمكن تلخيصها في أربعة محاور أساسية: الهوية والتأصيل، البحث العلمي والتطوير التقني، خدمة المجتمع المحلي والبيئة، والتنمية البشرية الشاملة هذه الأهداف التي صيغت قبل عقود بدت شديدة الأهمية، خاصة في ولاية مثل جنوب دارفور التي تحتاج إلى كل جهد لتجاوز آثار النزاعات ونقص الخدمات.
> تأكيد الهوية والتأصيل
: لقد سعت الجامعة لترسيخ القيم والثقافة الوطنية عبر المناهج الأكاديمية، بهدف دمج الأصالة والمعاصرة لإنتاج خريجين قادرين على المنافسة.
> البحث العلمي وتوظيف التقنية
تعهدت الجامعة بإجراء بحوث علمية وتطبيقية مرتبطة بحاجات المجتمع، وابتكار التقنية وتوظيفها لخدمة السودان هذا هو جوهر أي جامعة حديثة، إلا أن الواقع في بيئة تعاني من شح الموارد ونقص البنى التحتية قيد بشكل كبير من القدرة على إنجاز مشاريع بحثية ذات أثر ملموس على التنمية المحلية أو حل المشكلات المجتمعية في جنوب دارفور، كما أثر على التعاون الفعال مع القطاع الخاص أو المؤسسات الدولية لتمويل وتطبيق هذه الابتكارات.
> خدمة البيئة والتفاعل مع الريف:
من النقاط اللافتة في ميثاق الجامعة هو الاهتمام بالبيئة السودانية عامة وبيئة ولاية جنوب دارفور خاصة وتأهيل الكادر لحل قضايا الولاية البيئية، كما ركزت على “التفاعل مع المواطن في الريف بتفهم مشاكله والاعتراف بمعرفته وخبرته والعمل معه على تطويرها” هذا يعكس فهماً عميقاً لدور الجامعة كشريك تنموي.،وعلى الرغم من أهمية هذه الرؤية، فإن تنفيذ برامج محددة في هذا الصدد واجه صعوبات جمة، مما أثر على بناء جسور الثقة مع المجتمعات الريفية لتبني حلول علمية لمشاكلهم.
> الاهتمام بالطب والأرض والموارد الطبيعية والتنمية البشرية:
تعكس هذه الأهداف تركيزاً على المجالات الحيوية للتنمية في السودان، لقد سعت كليات الطب والعلوم الزراعية والأرض لرفد الولاية بالكوادر المتخصصة والحلول العلمية، إلا أن الظروف الأمنية والاقتصادية أثرت بشكل كبير على قدرة الجامعة على استقطاب الكفاءات وتوفير البيئة التعليمية والبحثية المناسبة لهذه التخصصات.
التحديات المحيطة: واقع الحرب يفتك بالصروح التعليمية
لا يمكن تقييم أداء جامعة نيالا بمعزل عن السياق الجيوسياسي والاقتصادي الذي تعمل فيه، والذي بلغ أقصى درجات القسوة مع اندلاع الحرب الأخيرة، ولاية جنوب دارفور وعموم إقليم دارفور، عانت لعقود من الصراعات المسلحة، وتدهور البنى التحتية، ونزوح السكان، وشح التمويل وقد فاقمت الحرب الحالية من هذه التحديات بشكل غير مسبوق، دافعة بالجامعة إلى حافة الانهيار:
> التوقف الشامل للدراسة:
لقد أدت الحرب إلى توقف الدراسة بشكل كامل في المدينة، مما حرم آلاف الطلاب من حقهم في التعليم وأوقف مسيرة أجيال بأكملها. تحولت الفصول الدراسية إلى مساحات مهجورة، وسكتت قاعات المحاضرات، في ضربة قاصمة لمستقبل التعليم في المنطقة.
> التدمير والنهب الموسع للأصول:
شهدت الجامعة دماراً ونهباً واسع النطاق لأصولها الثابتة والمتحركة على حد سواء. لم تسلم المباني التعليمية والإدارية والمختبرات من التخريب الممنهج، حيث تعرضت للتدمير الكامل والسرقة، مما أفقَد الجامعة بنيتها التحتية الأساسية بشكل شبه كلي. كما طال النهب الأجهزة العلمية الثمينة، والمعدات التعليمية، والمكتبات التي كانت تحوي كنوز المعرفة، وكذلك الأثاث والموارد اللوجستية التي كانت تدعم العملية التعليمية، مما يعني أن الجامعة، حتى لو هدأت الأوضاع، ستحتاج إلى إعادة بناء شاملة تبدأ من الصفر.
> الوضع الأمني المتدهور:
أثر عدم الاستقرار بشكل مباشر على استقطاب الأساتذة والطلاب، وأعاقت الحركة والوصول إلى المناطق الريفية لإجراء البحوث وخدمة المجتمع، بل وأدت إلى نزوح واسع للكوادر التعليمية والطلاب على حد سواء، بحثاً عن ملاذ آمن ومستقبل تعليمي.
> البنية التحتية المدمرة:
تعاني الجامعة الآن من دمار واسع في مرافقها، مما يجعل من الصعب جداً استئناف أي نشاط أكاديمي دون إعادة تأهيل شاملة ومكلفة تتجاوز بكثير الإمكانيات المتاحة.
> هجرة العقول:
تفاقمت ظاهرة هجرة الكفاءات والأساتذة والطلاب، بحثاً عن الأمان وفرص التعليم والعمل في مناطق أخرى، مما يهدد بتجريد الجامعة والولاية من ثروتها البشرية على المدى الطويل.
> شح التمويل وانعدامه:
توقف الدعم المالي اللازم لتشغيل الجامعة، وأصبحت الموارد شحيحة للغاية، مما يعيق أي محاولة للتعافي أو إعادة الإعمار، ويجعل مستقبل الجامعة في مهب الريح.
(إن التساؤلات حول مستقبل الجامعة لا تتعلق بمجرد استعادة مبانٍ، بل هي جوهر بناء الأمل والمستقبل لمنطقة عانت طويلاً. يتطلب النهوض بالجامعة جهداً استثنائياً حقاً، ينبع من فهم عميق لدورها المحوري كقلب نابض بالمعرفة والتنوير).
أهمية الجهد الوطني والدولي الشامل:
1.الدعم الرسمي (الوطني): لا يمكن للجامعة أن تستعيد عافيتها دون التزام حكومي راسخ يشمل ذلك تخصيص الموارد المالية اللازمة لإعادة الإعمار والتجهيز، وضع سياسات تعليمية داعمة، تأمين الكوادر الأكاديمية والإدارية، وتوفير بيئة مستقرة وآمنة للعملية التعليمية، هذا الدعم يمثل اعترافاً من الدولة بأهمية الجامعة كركيزة للتنمية الشاملة.
2.الدعم الدولي: في ظل التحديات الهائلة يصبح الدعم الدولي حاسماً يمكن أن يأتي على شكل تمويل لمشاريع إعادة الإعمار منح دراسية للطلاب والأساتذة برامج تبادل أكاديمي تبرعات بالمعدات والمراجع العلمية أو خبرات استشارية لإعادة بناء المناهج وتطوير القدرات هذا الدعم يكسر عزلة الجامعة ويفتح لها آفاقاً عالمية.
الأهمية الحيوية للدعم الشعبي من أبناء الولاية
بينما يعد الدعم الرسمي والدولي ضرورياً، فإن الدعم الشعبي من أبناء الولاية يمثل الركيزة الأساسية لضمان استدامة ونجاح عملية إعادة الإعمار والنهوض. تكمن أهميته في عدة أبعاد:
1. الشعور بالملكية والمسؤولية الجماعية: عندما يشارك أبناء الولاية في دعم جامعتهم، فإنهم يشعرون بملكية مباشرة للمشروع، لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة حكومية أو مشروع دولي بل جزء لا يتجزأ من نسيجهم الاجتماعي وهويتهم الثقافية، هذا الشعور بالملكية يولد دافعاً قوياً للحفاظ عليها وتطويرها.
2.تعبئة الموارد المحلية: يمكن للدعم الشعبي أن يحشد موارد لا تقدر بثمن قد لا تكون متاحة من خلال القنوات الرسمية، سواء كان ذلك عبر التبرعات المالية الصغيرة والكبيرة المساهمات العينية (مواد بناء، أثاث، كتب) الجهد التطوعي في أعمال التنظيف أو الصيانة أو حتى التدريس فإن هذه المساهمات الجماعية تشكل قوة دافعة هائلة ما بعد انتهاء الحرب.
3.بناء جسور الثقة والوحدة: العمل المشترك لإعادة بناء الجامعة يمكن أن يكون محفزاً قوياً لتعزيز التماسك الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع بعد فترات النزاع والمعاناة. إنه مشروع جامع يوحد الجهود نحو هدف سامٍ مشترك.
4.الاستدامة والحماية: الجامعة التي يرى فيها أهل الولاية “جامعتهم” الخاصة، تحظى بحماية مجتمعية أكبر. هذا الدعم يضمن استمراريتها حتى في أوقات التحديات، ويخلق حاضنة اجتماعية تدعم رسالتها الأكاديمية والبحثية.
5.تلبية الاحتياجات المحلية: من خلال المشاركة الشعبية، يمكن ضمان أن تظل الجامعة مستجيبة لاحتياجات وتطلعات المجتمع المحلي. أبناء الولاية هم الأدرى بالتحديات التي يواجهونها وبالمهارات التي يحتاجونها، وبالتالي يمكنهم توجيه الجامعة نحو برامج تخدم مجتمعهم بشكل مباشر.
6.بث الأمل وإعادة بناء المستقبل: الجامعة هي منارة للأمل للشباب، توفر لهم فرص التعليم والتطور التي هي مفتاح مستقبلهم ومستقبل الولاية بأسرها. دعم هذه المنارة هو دعم لمستقبل الأجيال القادمة، وهو رسالة قوية بأن المعرفة أقوى من الدمار.
معركة إعادة بناء الأمل والعلم لجامعة نيالا معركة لا تقل أهمية عن معارك الميدان هذه المعركة هي ضد الجهل، ضد اليأس، وضد آثار الدمار، إعادة بناء الجامعة ليست مجرد ترميم للطوب والأسمنت، بل إعادة بناء للعقول للثقافة، للهوية وللفرص إنها استثمار في الرأسمال البشري الذي سيقود الولاية نحو التعافي والازدهار.
لذا، فإن تضافر الجهود من الجميع الحكومة المجتمع الدولي والأهم من ذلك أبناء وبنات الولاية أنفسهم هو السبيل الوحيد لضمان أن تنهض جامعة نيالا من تحت الأنقاض وأن تستعيد مكانتها كمنارة للعلم والمعرفة ومصدر إشعاع ثقافي يضيء دروب المستقبل هذا ليس خياراً بل واجب وطني وإنساني.
الخاتمة:
تظل جامعة نيالا بتاريخها الممتد وأهدافها الطموحة ركيزة أساسية كان من المفترض أن تكون قاطرة للتنمية في جنوب دارفور، وإن تقييم مدى تحقيق هذه الأهداف يجب أن يأخذ في الاعتبار الدمار الواسع والتوقف الكامل الذي فرضته الحرب، إن الجامعة اليوم تواجه تحدياً وجودياً حيث تحولت من صرح للعلم والمعرفة إلى شاهد على وحشية الصراع يعكس حجم الخسارة التي لحقت بالتعليم في المنطقة.
