واشنطون-الولايات المتحدة الامريكية تعيد صياغة استراتيجيتها الأمنية القومية لعام 2025، والتي قدمتها إدارة الرئيس دونالد ترامب،هذه الاستراتيجية تكشف عن تحول نوعي في مقاربة واشنطن للقوى الدولية، مع تأثيرات محتملة على التوازنات الإقليمية، بما في ذلك السودان.
أبرز ملامح الاستراتيجية الجديدة:
1.تجاه روسيا: لأول مرة، تجنبت الوثيقة وصف روسيا بأنها “تهديد مباشر” للولايات المتحدة. بدلاً من ذلك، أشارت إلى “الحاجة للتعاون معها” في ملفات الاستقرار الاستراتيجي وقضايا الأمن العالمي الحساسة، مما يمثل تحولاً نحو خطاب أقل صدامية مقارنة بالوثائق السابقة.
2.تجاه أوروبا: استخدمت الاستراتيجية لغة “غير مسبوقة”، محذرةً أوروبا من “خطر المحو الحضاري” نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة. واعتبرت أن استمرار المسارات الحالية قد يضعف الدور الأوروبي داخل النظام الدولي وعلاقته بالولايات المتحدة، مما قد يؤثر على قدرتها كحليف موثوق لواشنطن
3.التأثير العام: ترى قراءة تحليلية للباحث السوداني طارق زين العابدين أن هذه التحولات تعيد رسم خريطة التهديدات والفرص في الرؤية الأمريكية، وتفرض على الدول المتأثرة بالأزمات والصراعات، مثل السودان، إعادة حساباتها الاستراتيجية بما يتوافق مع النظام الدولي الجديد.
توصيات للسودان:
-يجب على الأجهزة الأمنية والاستخبارات السودانية إيلاء اهتمام خاص لهذه الملامح نظراً لتأثيرها المباشر على توازنات المنطقة والفاعلين الدوليين، خاصة مع إعادة تشكيل العلاقات بين واشنطن وروسيا وأوروبا.
-ينبغي أن تكون هذه المتغيرات مدخلات أساسية لتوصيات القيادة السودانية في ملف الأمن القومي.
-فهم مكانة السودان في الخطاب الأمريكي الجديد وتحديد اتجاهاته ضروري لبناء رؤية سودانية متوازنة لإدارة التحالفات وتقييم المخاطر وقراءة مصالح القوى الكبرى، لحماية المصالح الوطنية العليا في مرحلة إقليمية ودولية معقدة.
—
يكشف هذا الخبر عن عدة جوانب هامة في فهم العلاقات الدولية المعاصرة، خاصة من منظور الواقعية السياسية والتغيرات الجيوسياسية:
<span;>1.التحول في مقاربة القوى العظمى
-التحول نحو روسيا: الابتعاد عن وصف روسيا كـ “تهديد مباشر” نحو “الحاجة للتعاون” يعكس تحولاً براغماتياً في السياسة الخارجية الأمريكية. قد يشير هذا إلى اعتراف بواقع القوة الروسية وعدم جدوى سياسة العزل التام، أو محاولة للتعامل مع روسيا في قضايا محددة (مثل الاستقرار الاستراتيجي) بينما يستمر التنافس في مجالات أخرى. هذا يتماشى مع مفاهيم مثل “التعايش المتنافس” أو “الواقعية الانتقائية” في التعامل مع المنافسين.
-اللغة القاسية تجاه أوروبا: تحذير أوروبا من “خطر المحو الحضاري” غير مسبوق. يمكن تفسير هذا على أنه تعبير عن قلق أمريكي عميق بشأن استقرار وضعف الاتحاد الأوروبي الداخلي (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً)، والذي قد يقلل من قدرة أوروبا على أن تكون شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة في مواجهة التحديات العالمية. قد يكون هذا أيضاً ضغطاً على أوروبا لتحمل مسؤوليات أكبر في أمنها ودفاعها، وربما مؤشراً على نظرة أمريكية “صفقاتية” (Transactional) للعلاقات، حيث يتم تقييم الحلفاء بناءً على مساهماتهم وقدرتهم على حماية المصالح الأمريكية. هذا يمس جوهر التحالفات التقليدية في النظام الليبرالي العالمي.
2.تأثير التحولات الجيوسياسية على الدول الأصغر/الإقليمية
-ضرورة إعادة التموضع الاستراتيجي: التأكيد على أن دولاً مثل السودان يجب أن “تعيد حساباتها الاستراتيجية” يبرز حقيقة أن التغيرات في سياسات القوى العظمى لها تداعيات مباشرة وبعيدة المدى على الدول الأصغر. لم يعد بالإمكان الاعتماد على ثبات التحالفات أو افتراضات معينة حول النظام الدولي.
– التعقيد المتزايد للنظام الدولي: يشدد الخبر على أن المرحلة إقليمياً ودولياً “شديدة التعقيد”. هذا يشير إلى نهاية عالم القطبية الأحادية (هيمنة الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة) ودخول مرحلة قد تكون متعددة الأقطاب أو على الأقل قطبية متنافسة، حيث تتصادم مصالح القوى الكبرى وتتغير أولوياتها باستمرار.
-أهمية الاستخبارات والتحليل الاستراتيجي: توصية الأجهزة الأمنية السودانية بإيلاء اهتمام خاص لهذه التغيرات يؤكد على الدور الحيوي للمعلومات والتحليل العميق في صياغة السياسة الخارجية والأمنية للدول، لضمان حماية المصالح الوطنية في بيئة دولية متقلبة.
3.العلاقات البينية (Washington-Russia-Europe)
إعادة تشكيل العلاقات بين هذه القوى المحورية يؤثر بشكل مباشر على التوازنات الإقليمية. إذا تغيرت طبيعة العلاقة بين واشنطن وروسيا (سواء نحو تعاون محدود أو تنافس أقل حدة)، أو إذا ضعفت العلاقة بين واشنطن وأوروبا، فإن هذا يفتح مساحات جديدة للمناورة أو يخلق تحديات جديدة لدول أخرى، خاصة تلك الواقعة في مناطق جيوستراتيجية مهمة مثل أفريقيا والشرق الأوسط.
بشكل عام، يعكس الخبر رؤية تحليلية تشير إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب كانت تتجه نحو إعادة تقييم جذرية للعلاقات الدولية، مع التركيز على المصالح الوطنية المباشرة وتحدي مسلمات التحالفات التقليدية، مما يفرض على الدول الأخرى، وخاصة المتأثرة بالصراعات، اليقظة والتكيف مع هذا النظام الدولي المتغير.
