اندلعت الحرب المفتوحة بين القوات المسلحة السودانية (الجيش) وقوات الدعم السريع (RSF) فى أبريل 2023، وسرعان ما تحولت إلى صراع طويل مزّق الدولة. خلال الأشهر الأخيرة من 2025 حققت قوات الدعم السريع تقدماً واسعاً، إذ سيطرت على كامل ولايات إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر فى أواخر أكتوبر ثم تقدمت شرقاً وجنوباً إلى ولايات كردفان الغنية بالنفط، حتى أعلنت فى ديسمبر سيطرتها على حقل هجليج النفطى الحيوىaljazeera.com. هذا التحول الميدانى قلب موازين القوى وأثار أسئلة عن مستقبل السودان ووحدته.

السيطرة على دارفور وكردفان وهجليج: الوقائع على الأرض

  • سقوط الفاشر (عاصمة شمال دارفور) فى أكتوبر 2025 أنهى الوجود العسكرى للجيش فى دارفور. تحليل لمركز دراسات قطر (معهد الدوحة) يذكر أن قوات الدعم السريع انتزعت السيطرة على ولايات دارفور الخمس بعد تحالفات مع حركات مسلحة واستخدام إمدادات عسكرية من الخارجdohainstitute.org. هزيمة الجيش فى الفاشر أدت إلى نزوح آلاف المدنيين وظهور مقابر جماعيةaljazeera.com.
  • التقدم فى كردفان: بعد تثبيت سيطرتهم على دارفور، نقلت قوات الدعم السريع قواتها إلى غرب كردفان واستولت على مدينة بَبانوسة ومقر الفرقة 22 مشاة، وهو تقاطع طرق إستراتيجى يؤمن خط أنابيب النفط الذى يربط جنوب السودان بميناء بورسودانpeoplesdispatch.org. الجيش نفى فقدان المدينة لكن مراقبين أكدوا أن ميزان القوى يميل لصالح الدعم السريعreuters.com.
  • حقل هجليج النفطي: فى 8 ديسمبر 2025 أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على حقل هجليج الذى يضم نحو 75 بئراً نفطية ويعد محطة معالجة رئيسية لضخ حوالى 130 ألف برميل يومياً من نفط جنوب السودان عبر الأنابيب إلى بورسودانsudantribune.com. التقرير يوضح أن إنتاج السودان من النفط انخفض من 64 ألف برميل يومياً قبل الحرب إلى حوالى 20 ألفاً بسبب القتالsudantribune.com، بينما تعتمد الدولة على رسوم عبور نفط جنوب السودان التى انخفضت من نحو 146 مليون دولار شهرياً إلى 48 مليوناً نتيجة تعطل الأنابيبallafrica.com. السيطرة على هجليج تمنح الدعم السريع ورقة ضغط اقتصادية خطيرة على الحكومة، إذ يمكنهم تعطيل تصدير النفط وحرمان السودان من آخر مصادر العملات الصعبة.
  • الوضع الإنسانى والأمنى: سيطرة الدعم السريع رافقها انتهاكات واسعة. تقارير إعلامية تتحدث عن قتل جماعى وحرق جثث فى الفاشرaljazeera.com، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص فى أنحاء السودانaljazeera.com. مع انتقال القتال إلى كردفان، حذرت منظمات إنسانية من احتمال تكرار المجازر فى بابانوسة والأبيضaljazeera.com. التدفقات القبلية والأمنية المعقدة فى كردفان تجعل الوصول الإنسانى شبه مستحيلaljazeera.com.

رؤية الدعم السريع: “السودان الجديد” وحكومة “التأسيس”

قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتى) حاول تقديم نفسه بصفته حامل لواء “السودان الجديد”. تقارير تحليلية تشير إلى أن حميدتى يطرح رؤية تقوم على:

  • الفيدرالية واللامركزية: يروج حميدتى لما يسميه سوداناً تعددياً علمانياً يضمن المواطنة المتساوية والحكم اللامركزى، مستلهماً أفكار الزعيم الراحل جون قرنقmoderndiplomacy.eu.
  • تمثيل الهامش: يحاول تصوير الدعم السريع كحركة تمثّل المناطق المهمشة فى دارفور وكردفان والشرق، ويهاجم هيمنة النخبة المركزية فى الخرطومmoderndiplomacy.eu.
  • حكومة موازية: فى فبراير 2025 أعلن تحالف “تأسيس” الذى يضم الدعم السريع وحركة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وعدداً من الحركات المتمردة. التحالف أصدر دستوراً انتقالياً ينص على دولة علمانية ديمقراطية لامركزية ويعتبر الحكم الفدرالى أساساً للوحدة الطوعيةsudanspost.com. فى يوليو 2025 شكل التحالف مجلساً رئاسياً برئاسة حميدتى ونائب له الحلو ورئيس وزراء مدنىreuters.com. هذه الحكومة الموازية تهدف إلى شرعنة سيطرة الدعم السريع وكسب الاعتراف الدولى، لكنها لم تلقَ اعترافاً حتى الآنreuters.com.
  • شعارات “السودان الجديد”: شعارات مثل “السودان الجديد متقدم، السودان القديم يتدمر” يترددها قياديون فى الدعم السريعreuters.com، ما يعكس رغبة فى تفكيك النظام القديم وإنشاء كيانات جديدة.

مخاطر انقسام السودان: هل يصبح واقعاً؟

  • تحذيرات من تقسيم فعلى: سيطرة الدعم السريع على دارفور وكردفان أثارت مخاوف من تقسيم البلاد إلى شرق/شمال تحت سيطرة الجيش وغرب/جنوب تحت سيطرة الدعم السريع. محللون فى الجزيرة حذروا من أن هذا السيناريو سيكون “بداية النهاية” للسودان وقد يعقد أى مفاوضات سلامaljazeera.com.
  • الولايات المتحدة تحذر من خطر ليبيا‑آخر: مستشار الحكومة الأمريكية مسعد بولس صرّح لرويترز بأن السيطرة الكاملة للدعم السريع على دارفور قد تؤدى إلى تقسيم جغرافى مشابه لما حدث فى ليبيا عندما أسست ميليشيات حكومتين متنافستينreuters.com.
  • تحليل الهوية والعرق: المحللة السودانية داليا عبد المنعم قالت إن الحرب أصبحت مؤدلجة عرقياً وأن بعض عناصر الجيش ربما تقبل التخلى عن دارفور لمواصلة حكم ما تسميه “السودان العربى”، غير أن هذا الخيار غير قابل للاستدامة لأن الجيش يحتاج تحالفات الحركات المسلحة والغطاء الشعبىaljazeera.com.
  • تعقيد التحالفات: الباحث توبى أرباب يرى أن الانقسام الرسمى غير مرجح؛ لأن بنية التحالفات على الجانبين تتطلب مشروعاً سياسياً يشمل كل السودان، إضافة إلى تعقيدات التركيبة الاجتماعيةaljazeera.com.
  • وجود حكومتين: رويترز ذكرت أن تشكيل حكومتين متنافستين (حكومة تاسيس فى نيالا والحكومة الرسمية فى بورتسودان) قد يخلق حالة جمود شبيهة بليبيا ويشجع الجماعات المسلحة الأخرى على إنشاء سلطة خاصة بهاreuters.com. سيل القوى المسلحة غير الخاضعة للدولة يعزز احتمالات الفوضى أكثر من قيام دولة غربية مستقلة.

موقف الجيش والحكومة: الوحدة أم التقسيم؟

رغم خسائره على الأرض، يصر الجيش السوداني على أنه المؤسسة الشرعية الوحيدة وينفى أى اتجاه نحو تقسيم البلاد:

  • رفض التفاوض مع الدعم السريع: قائد الجيش عبد الفتاح البرهان رفض مقترحات الهدنة الدولية التى تقضى بوقف إطلاق النار وتشكيل حكومة مشتركة، قائلاً إن هذه الخطط تحاول حل الجيش وتقنين الميليشياaljazeera.com.
  • الإصرار على تفكيك الدعم السريع: فى خطاب له بعد سقوط بابانوسة، أكد البرهان أن أى حل سياسى يجب أن يتضمن حل الدعم السريع، مضيفاً أن الجيش لن يقبل أى تسوية لا تنص على ذلكthenationalnews.com. وأكد أيضاً أنه يريد “إعادة تشكيل السودان” واستعادة العلم القديم ذو الألوان الثلاثة الذى رُفع عند الاستقلالthenationalnews.com، وهو تلميح إلى العودة إلى رموز وطنية موحدة بدلاً من شعارات الفصائل.
  • التحالفات مع الحركات الإسلامية: تقارير صحفية تشير إلى أن بعض القوى الإسلامية الحليفة للجيش تنظر بحذر إلى مقترحات تقسيم السودان وترفض أى مبادرة تستبعدهم، معتبرين أن أى تسوية تقبل بالدعم السريع بمثابة اعتراف بميليشيا “عنصرية”alestiklal.net.
  • الأطراف الدولية الحليفة: مصر أعلنت أن تقسيم السودان “خط أحمر”. وزير الخارجية بدر عبد العاطى شدد على أن وحدة السودان ركن أساسى من أمن مصر القومى، وأن القاهرة لا تعترف بأى كيان موازٍ للدولة السودانيةenglish.ahram.org.eg. مصر تدعم الجيش وتعتبره الضامن الوحيد لوحدة البلادenglish.ahram.org.eg، وترفض وجود أى كيانات مسلحة موازية لأنها ستؤدى إلى تقسيم السودانenglish.ahram.org.eg.

تأثير السيطرة على هجليج وقطاع النفط على الاقتصاد

الاقتصاد السودانى يعتمد على رسوم عبور نفط جنوب السودان وإنتاجه المتواضع من الخام. الحرب أدت إلى تدمير مرافق النفط وتراجع الإنتاج بشكل كبير.

  • شبكة دابانغا والعديد من التقارير أشارت إلى أن رسوم العبور تراجعت من نحو 146 مليون دولار شهرياً قبل الحرب إلى حوالى 48 مليوناً بسبب إغلاق الأنابيب وهجمات الطائرات المسيّرةallafrica.com.
  • بليل وهجليج: حقل بليلة فى غرب كردفان كان ينتج حوالى 70 ألف برميل يومياً قبل الحرب، وقد سيطرت عليه قوات الدعم السريع فى 2024، ما أدى إلى تعطّل الإنتاجallafrica.com. السيطرة الجديدة على هجليج، الذى يعالج نحو 130 ألف برميل يومياً من نفط جنوب السودانsudantribune.com، تمنح الدعم السريع قدرة على قطع الموارد المالية التى يعتمد عليها الجيش والحكومة فى بورتسودان. أى هجوم أو تعطيل للخط الرئيسى قد يوقف صادرات جنوب السودان تماماًallafrica.com.
  • تقارير أكسينخوا ورويترز تؤكد أن الجيش انسحب من هجليج لتجنب المواجهة وأن الحاكم المدنى للمنطقة شكّل قوة محلية لحماية المنشأة، كما تم التنسيق مع جنوب السودان لعدم تحويل المنطقة إلى بؤرة للميليشياتenglish.news.cn. لكنها أيضاً تشير إلى أن إنتاج السودان نفسه انخفض إلى حوالى 20 ألف برميل يومياًsudantribune.com، ما يجعل خسارة هجليج ضربة قاسية للاقتصاد.

الخلاصة واستنتاجات

  1. السيطرة على دارفور وكردفان وهجليج تمنح الدعم السريع نفوذاً عسكرياً واقتصادياً غير مسبوق. فبعد سقوط الفاشر وبابانوسة وهجليج، أصبح بإمكانه تهديد خطوط الإمداد النفطية وقطع موارد الحكومة فى بورتسودان. هذه السيطرة تمكنه من المساومة فى أى مفاوضات قادمة ومن فرض وقائع جديدة على الأرض.
  2. رؤية حميدتى لـ“السودان الجديد” تقوم على الفيدرالية واللامركزية وتمنح الأقاليم سلطة أوسع فى إدارة مواردها. التحالف مع الحلو وقوى أخرى وتشكيل حكومة موازية يشير إلى سعى الدعم السريع لتقنين سلطته وتحويل مناطق سيطرته إلى كيان سياسى معترف به. لكن عدم اعتراف المجتمع الدولى ورفض مصر ودول الجوار يحد من هذا الطموحreuters.comenglish.ahram.org.eg.
  3. خطر تقسيم السودان ما زال قائماً لكن ليس حتمياً. التحذيرات من تحوّل الوضع إلى سيناريو مشابه لليبيا ترتبط بوجود حكومتين متوازيتين وتفكك المؤسسات، إضافة إلى البعد العرقى للصراعreuters.comaljazeera.com. ومع ذلك يشير بعض المحللين إلى أن التركيبة الاجتماعية وتحالفات الطرفين تجعل الانقسام الرسمى صعباًaljazeera.com.
  4. الجيش يرفض علناً أى مشروع للتقسيم ويصر على تفكيك الدعم السريع. برغم خسائره، ما زال يمتلك اعترافاً دولياً ودعماً من دول مثل مصر التى تعتبر وحدة السودان خطاً أحمرenglish.ahram.org.eg. ومع ذلك، هناك مخاوف من أن بعض العناصر داخل الجيش قد تقبل بالتخلى عن دارفور للحفاظ على السلطة فى الوسط والشمالaljazeera.com.
  5. الأزمة الإنسانية والاقتصادية قد تدفع نحو حلول تفاوضية. استمرار الحرب سيؤدى إلى مجاعات وكوارث وانهيار اقتصادى شامل. السيطرة على هجليج تمثل ورقة ضغط للدعم السريع لكنها أيضاً مسؤولية؛ إذ أى تخريب للأنابيب سيُغضب جنوب السودان وقد يجر تدخلات إقليمية جديدة.

مستقبل السودان يقف عند مفترق طرق. فإما أن تفضى السيطرة الميدانية الجديدة إلى مفاوضات جادة تفضى إلى عملية انتقالية تشمل كل الأطراف وتنقذ وحدة البلاد، أو أن يدخل السودان فى مرحلة تقسيم فعلى حيث تستمر حكومتان متوازيتان وترسخ الميليشيات سلطة الأمر الواقع. الحقيقة أن مصير السودان لن يحدده المنتصر فى ساحة المعركة بقدر ما سيحدده قدرة السودانيين على صياغة مشروع وطنى جامع يتجاوز العرق والجهة ويقدم بدائل للحرب، وبقدر ما سيحترم المجتمع الدولى إرادة السودانيين بدلاً من فرض حلول تعمق الانقسامات.