تحقيق استقصائي: سقوط منطقة هجليج

هجليج… السقوط الذي كشف هشاشة الدولة السودانية

تحقيق استقصائي حول واحدة من أخطر المحطات في مسار الحرب


مقدمة

لم تكن سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة هجليج حدثاً عسكرياً عادياً، بل نقطة فاصلة أعادت تشكيل خريطة الصراع في السودان، وفتحت الباب أمام أسئلة خطيرة تتعلق بمستقبل الدولة وتوازن القوى، خصوصاً أن المنطقة تمثّل شرياناً نفطياً واقتصادياً. هذا التحقيق يحاول تفكيك مشهد السقوط، أسبابه، ودلالاته، ثم استشراف مستقبل البلاد.


أولاً: أهمية هجليج… لماذا تمثل هذه المنطقة وزناً استراتيجياً؟

خريطة حقول النفط في السودان

تقع هجليج على خط التماس بين جنوب كردفان ودولة جنوب السودان، وتضم أحد أهم حقول إنتاج النفط في شمال السودان قبل الانفصال. ومن أهم أسباب حساسيتها:

  • مركز رئيسي لخطوط نقل النفط المتجهة إلى البحر الأحمر.
  • موقع استراتيجي يفصل بين مناطق النزاعات التقليدية (جبال النوبة – أبيي).
  • رمز سيادي ونقطة نفوذ اقتصادي وعسكري.

ثانياً: كيف سقطت هجليج؟ اختراق أم انهيار؟

1. تفكك خطوط الدفاع وضعف الإمداد

كانت قوات الجيش في المنطقة تعتمد على وحدات صغيرة غير مدعومة بالطيران أو الإمداد المتناسق، نتيجة اتساع رقعة الحرب من الخرطوم إلى دارفور وكردفان.

2. توسع الدعم السريع مستفيداً من شبكات اجتماعية ومحلية

استفادت قوات الدعم السريع من دعم قبلي واسع في أجزاء من كردفان وفتحت لنفسها طرق إمداد مترابطة من دارفور حتى هجليج.

3. انهيار منظومة القيادة والسيطرة

أحد أكبر أسباب السقوط كان فقدان الاتصال بين الوحدات، وضعف التغطية الجوية، وانعدام غرفة عمليات مركزية قادرة على إدارة المعركة.

4. الأسلوب القتالي المتحرك للدعم السريع

اعتمد الدعم السريع على هجمات خاطفة، كثافة نارية عالية، والتفافات على خطوط الإمداد، مما سبب انهياراً نفسياً وميدانياً في صفوف الجيش.


ثالثاً: ماذا يعني سقوط هجليج اقتصادياً؟

يمثل السقوط ضربة مباشرة لاقتصاد الدولة، لأن هجليج:

  • كانت أحد أهم موارد النقد الأجنبي.
  • تمثل نقطة سيطرة على خط الأنابيب المتجه إلى بور سودان.
  • توفّر نفوذاً اقتصادياً يمنح الدعم السريع قوة تفاوض إضافية.

كما اهتزت ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين في قدرة السودان على حماية بنية الطاقة.


رابعاً: كيف تغير السيطرة على هجليج خريطة الحرب؟

1. تحول الدعم السريع إلى قوة جغرافية مترابطة

بعد سيطرته على دارفور وكردفان وهجليج، أصبح يملك عمقاً جغرافياً متصلاً وحدوداً مفتوحة وتحكماً في موارد (ذهب – مواشي – نفط).

2. الجيش في أضعف وضع منذ الاستقلال

فقد الجيش مراكز استراتيجية، قوات مدربة، وثقة شعبية، مما يجعل إعادة إصلاحه ضرورة وجودية للدولة.


خامساً: هل يرى الجيش تقسيم السودان حلاً؟

لا توجد أي تصريحات رسمية أو تسريبات مؤكدة تشير إلى قبول الجيش بالتقسيم، لكن تراجع السيطرة الميدانية قد يدفع بعض مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية إلى التفكير في مناطق نفوذ بدلاً من الدولة الواحدة.

التقسيم لا يخدم الجيش ولا الدعم السريع، لكنه قد يحدث كـأمر واقع إذا انهارت مؤسسات الدولة تماماً.


سادساً: سيناريوهات مستقبل السودان

1. حرب طويلة تتحول إلى صراع موارد

السيطرة على النفط تجعل الحرب اقتصادية-عسكرية، مما يطيل أمدها ويستنزف الدولة.

2. تسوية سياسية مفروضة دولياً

قوى دولية لن تقبل بانهيار شامل، وقد تفرض وقف إطلاق نار وترتيبات حكم على أساس النفوذ العسكري.

3. انقسام فعلي للدولة

إذا استمر الوضع الميداني دون تدخل سياسي، قد تتجه البلاد نحو تقسيم فعلي بين الشرق والغرب مع وسط مضطرب.


السقوط في هجليج يكشف حجم الانهيار في مؤسسات الدولة السودانية على المستويات العسكرية والاقتصادية والقيادية. وما لم يحدث تدخل سياسي عاجل يعيد بناء مؤسسات الدولة، فإن السودان يواجه خطر تشظي طويل الأمد يعيد تعريف السلطة والهوية والنفوذ.