البروفيسور صابر آدم حسن ـــ نائب مدير جامعة نيالاالبروفيسور صابر آدم حسن ـــ نائب مدير جامعة نيالا

حوار مع نائب مدير جامعة نيالا , حاوره: د. مهند عثمان

في قلب المأساة السودانية الممتدة، تقف جامعة نيالا نموذجاً صارخاً لحجم الدمار الذي لحق بالمؤسسات التعليمية في إقليم دارفور. فمنذ اندلاع الحرب، تحوّلت صروح أكاديمية عمرها عقود إلى مبانٍ مهدّمة، ونهبت معاملها، وتشرد طلابها وأساتذتها بين المدن والولايات.

وفي هذا التحقيق، يكشف البروفيسور صابر آدم حسن ـــ نائب مدير جامعة نيالا والقائم بتسييرها بعد وفاة مديرها الراحل البروفيسور محمد علي الحاج علوبة في نوفمبر 2025 ـــ الصورة الكاملة لما حدث، وكيف تقود الإدارة اليوم واحدة من أصعب عمليات الإنقاذ الأكاديمي في تاريخ الجامعات السودانية.

تكليف في لحظة انهيار: جامعة بلا معامل ولا مكاتب

يقول البروفيسور صابر إن لحظة استلامه لمهام تسيير الجامعة جاءت في ظرف بالغ التعقيد؛
فبعد اقتحام المدينة، تعرّضت الجامعة لـ دمار شبه كامل شمل:

  • نهب معامل العلوم والهندسة والمختبرات بالكامل.
  • تدمير المكاتب الإدارية والآليات.
  • توقف العملية الأكاديمية لأكثر من عامين.
  • نزوح أعداد كبيرة من الأساتذة والموظفين.

يضيف:

“وجدنا جامعة بلا مقرات فعلية، بلا معامل، بلا دخل مالي، وبلا بيئة يمكن أن تُستأنف فيها الدراسة. كنا أمام مهمة إعادة تشغيل مؤسسة تنهار أمامك وأنت مطالب بإنقاذ مستقبل آلاف الطلاب.”

الأيام الأولى للحرب: الطلاب والأساتذة بين الخوف وغياب القدرة على الإجلاء

غياب الأمن وضع الجامعة أمام تحدٍّ غير مسبوق. لم يكن بإمكان الإدارة ــ كما يكشف نائب المدير ــ تنفيذ عمليات إجلاء منظمة للطلاب أو العاملين بسبب انعدام التمويل وصعوبة التنسيق، فكان الخروج بشكل فردي وعشوائي هو الواقع المرير.

استئناف الدراسة خارج نيالا: “لم نملك خيار التوقف أكثر”

بعد توقف دام عامين، جاء توجيه وزارة التعليم العالي باستئناف الدراسة، وكان القرار محفوفاً بالمخاطر. الجامعة لم تعد موجودة عملياً في نيالا، وبالتالي كان التنفيذ يتطلب البحث عن بدائل.

النموذج الأول: كلية الطب

تم استضافة طلاب كلية الطب في جامعة الإمام المهدي بكوستي، في تجربة وُصفت بأنها “منقذة للأمل”.

  • نسبة الحضور تجاوزت 95% رغم الظروف القاسية.
  • الجامعة المضيفة وفّرت معامل وسكن ودعماً لوجستياً.
  • طلاب طب نيالا أكملوا تدريبهم العملي وتخرجت الدفعة الأولى.

هذه التجربة، كما يقول البروفيسور صابر، كانت الشرارة التي أعادت الجامعة للحياة.

كليات أخرى تلتحق بركب العودة الأكاديمية

استكمالاً للطب، تم ترتيب استضافة:

  • طلاب الهندسة (السنوات النهائية).
  • طلاب التمريض (السنوات النهائية).
  • الدفعة الأولى من المختبرات الطبية.

ومن المقرر أن تبدأ الدراسة الحضورية لهذه المجموعات في يناير 2026 بكوستي.

أما الخرطوم…

تجري حالياً ترتيبات مع وزارة التعليم العالي لإعادة تشغيل الكليات التي تحتاج معامل متخصصة عبر التعاون مع جامعات الخرطوم.

الطلاب: معاناة نفسية… لكنها إرادة لا تُكسر

رغم فقدان الاستقرار والسكن والمال، كان الطلاب هم الطرف الأكثر إصراراً على العودة.

توفر الجامعة حالياً:

  • سكن طلابي مناسب بأسعار مخفضة.
  • دعم وجبات داخل الداخليات.
  • بيئة دراسية مستقرة قدر الإمكان.

لكن:

“لم نستطع توفير دعم مالي مباشر للطلاب… فقط حاولنا تخفيف العبء عنهم قدر المستطاع.”

الأساتذة بين الهجرة والجهود المشتركة

بسبب الحرب، غادر عدد كبير من الأساتذة الولاية. وتم اعتماد نموذج مزدوج مؤقت:

  • أساتذة جامعة الإمام المهدي يتولون العمل العملي.
  • أساتذة نيالا يواصلون التدريس إلكترونياً.

هذه المقاربة سمحت للجامعة بالحفاظ على معايير الجودة الأكاديمية دون انهيار البرامج.

هل تأثرت المناهج؟

يشدد نائب المدير على التزام الجامعة بلوائح وزارة التعليم العالي وإدارة التقويم والاعتماد. ويؤكد أن:

  • المناهج لم تُختصر.
  • الساعات الدراسية لم تُخفّض.
  • الامتحانات تُدار وفق المعايير الوطنية.

أزمة التمويل: الجامعة بلا موارد

بعد نهب كل ممتلكاتها وتوقف مواردها، أصبحت الجامعة تعتمد على مبادرات محدودة، فيما لم تتلقَّ حتى الآن دعماً حكومياً أو دولياً رغم الوعود القائمة.

إعادة الإعمار: “مرحلة قادمة… لكنها ليست الآن”

يرى البروفيسور صابر أن الأولوية الحالية هي استمرار العملية التعليمية. أما إعادة بناء الجامعة فستكون مرحلة ثانية بعد استتباب الأمن.

هل ستعود الجامعة إلى نيالا؟

العودة ــ كما يؤكد ــ مشروطة بـ:

  • انتهاء الحرب.
  • عودة الأمن.
  • توفر التمويل لإعادة الإعمار.

ويضيف:

“عندما تستقر البلاد، ستعود جامعة نيالا أكثر قوة ومرونة، لأن التجربة صقلتنا جميعاً.”

دور الجامعة في إعادة بناء المجتمع

تمتلك الجامعة مراكز بحثية متخصصة في:

  • التوعية المجتمعية.
  • رتق النسيج الاجتماعي.
  • معالجة آثار الحرب.

وستكون ــ كما يؤكد نائب المدير ــ شريكاً أساسياً في إعادة بناء جنوب دارفور عبر كوادرها وخبراتها.

التعاون بين الجامعات: شبكة إنقاذ وطنية

هناك تعاون نشط بين الجامعات المتضررة نفسها، وتعاون فعلي بين جامعة نيالا وجامعة الإمام المهدي، إلى جانب ترتيبات مستقبلية مع جامعات الخرطوم لاحتضان بقية البرامج.

الدراسات العليا: استمرار رغم الركام

ورغم الظروف الاستثنائية، تمكّنت الجامعة من:

  • مناقشة رسائل ماجستير ودكتوراه.
  • منح درجات علمية لعدد من الطلاب.

وهو ما يعكس حرص الإدارة على عدم تجميد المسار الأكاديمي كاملاً.

لحظات بين الألم والأمل

يمضي البروفيسور صابر قائلاً:

  • أصعب اللحظات: رؤية الدمار الشامل الذي أعاد الجامعة إلى نقطة الصفر.
  • أجمل اللحظات: عودة الطلاب للدراسة بإصرار، وكأنهم يعيدون للجامعة نبضها الأول.

رسائل ختامية إلى الطلاب والمجتمع

للطلاب:

استعدّوا للدراسة… فالأبواب ستُفتح قريباً بإذن الله.

لأهالي جنوب دارفور:

وقوفكم مع الجامعة هو الضمان الأكبر لعودتها.

لأساتذة وموظفي الجامعة:

الجامعة تحتاج لكل فرد منكم. التفافكم حولها هو حجر الأساس لنهضتها.

لكل أهل السودان:

جامعة نيالا واحدة من أكثر الجامعات تضرراً في الحرب… ومساندتها واجب وطني وأخلاقي.