د. حيدر البدري..
…
تسقط الخيارات عندما تصبح وجبة الفقراء امتحاناً للحكومة.
فهل يأكل دولة رئيس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، ووزراؤنا النبجلون الفول؟.
وهل يعرف وزراؤنا المبجلون مذاق الوجبة التي باتت حلماً يومياً لقطاعات واسعة من السودانيين؟ ليس السؤال ترفاً صحفياً، ولا دعوة إلى تفتيش موائد المسؤولين، وإنما محاولة لقياس المسافة الشاسعة بين مكاتب السلطة وموائد المواطنين الذين أنهكتهم الحرب، وأثقلتهم الأسعار، وأصبحت لقمة العيش عندهم معركة يومية لا تقل قسوة عن معارك الميدان.

هذا هو الواقع، أيها السادة، أسرة سودانية تكافح لتجد وجبة واحدة في اليوم، إن وجدتها. يومٌ للفول، ويومٌ للعدس، وما بينهما حسابات مرهقة لا تعرف المجاملة. لم يعد الفول، الذي ظل لعقود عنواناً لبساطة المائدة السودانية وملاذاً للفقراء ومحدودي الدخل، طعاماً متاحاً للجميع كما كان. لقد تحول من وجبة شعبية إلى بند ثقيل في ميزانية الأسرة، ومن حق يومي بسيط إلى رفاهية تستوجب إعادة ترتيب الأولويات.
لنسأل دولة رئيس الوزراء: كم تكلف وجبة فول لأسرة متوسطة من خمسة أفراد؟ إذا بلغ سعر الطلب الواحد خمسة آلاف جنيه، دون جبنة أو طماطم أو أي إضافات، واكتفت الأسرة بفول وزيت، ثم احتاجت إلى أرغفة صغيرة( مخجلة) يمكنك ابتلاع رغيفة كاملة بلقمتين. رغيفتان بالف ج. فإن الوجبة تبلغ ستة آلاف جنيه. وبذلك تحتاج الأسرة إلى ثلاثين ألف جنيه يومياً إذا أرادت توفير الوجبة نفسها لأفرادها الخمسة، وإلى نحو تسعمائة ألف جنيه شهرياً لوجبة واحدة في اليوم، وفق هذه الأسعار التقديرية، دون احتساب بقية احتياجات المعيشة الضرورية.
فإذا صح أن راتب الموظف في الدرجة الخامسة لا يتجاوز مائة ألف جنيه شهرياً، وهوغالبا 70 الف ج. فإن وجبة الفول وحدها، بهذا الحساب، تلتهم تسعة أضعاف راتبه. أي حديث عن تدبير المعيشة يمكن أن يصمد أمام هذه المعادلة؟ وكيف يُطلب من موظف أن يعيل أسرة، بينما لا يكفي راتبه لتأمين وجبة يومية واحدة لها؟
ثم يأتي قرار حظر استيراد الفول في موسم الندرة، الذي قد يُقدَّم باعتباره حماية للمنتج الوطني وتشجيعاً للزراعة المحلية. ولا جدال في أهمية دعم المزارع السوداني وتقليل الاعتماد على الواردات، لكن السؤال الجوهري: هل يكفي الحظر وحده لزيادة الإنتاج، وتوفير السلعة، وضبط الأسعار؟ إن حماية الزراعة الوطنية لا تتحقق بمجرد إغلاق باب الاستيراد، بل بتوفير التقاوي والتمويل والوقود والأسمدة، وتحسين النقل والتخزين، ومكافحة الاحتكار، وضمان وصول المحصول إلى الأسواق بأسعار عادلة.

أما حين تتراجع الإمدادات ولا يرتفع الإنتاج بما يسد الفجوة، فإن المستهلك هو الذي يدفع الثمن، ويصبح القرار، مهما حسنت نواياه، عبئاً إضافياً على موائد الفقراء.

ولأن الشعب المغلوب على أمره لم يعد يملك ترف الاختيار، فقد أصبح العدس بديلاً للفول، وملاذاً لمن أعجزته الأسعار. لذلك نقترح، بكل جدية لا تخلو من السخرية، أن يصدر دولة رئيس الوزراء قراراً بحظر استيراد العدس أيضاً، حتى تكتمل منظومة حماية الإنتاج الوطني، ويُدفَع المواطن دفعاً إلى البحث عن بديل آخر؛ وربما ينتهي به المطاف إلى أكل البرسيم!

يا دولة رئيس الوزراء، ليس المطلوب أن تأكل الفول أمام الكاميرات، ولا أن تتخلى عن مائدة الحكومة، بل أن تعرف كم يدفع المواطن ثمن وجبته، وكم يتبقى له من راتبه بعد أن يأكل، إن استطاع. فالحكومة التي لا تقيس نجاح سياساتها بما يصل إلى مائدة المواطن، قد تحمي الإنتاج على الورق، لكنها تترك الإنسان جائعاً في الواقع.

إن حماية المنتج الوطني واجب، لكن حماية المواطن من الجوع أوجب.
نقطة سطر جديد.