بقلم: عاتكة عيسى إبراهيم محمود

في السودان، لا ينفصل طريق التعافي الاقتصادي عن بناء الإنسان القادر على إعادة تشغيل الاقتصاد وحماية موارده وصون قراره الوطني. فالتدريب والتمكين الاقتصادي لم يعودا مجرد برامج تنموية أو أدوات لتحسين فرص العمل، بل أصبحا ركيزتين لمعركة استعادة الإنتاج، وإعادة الإعمار، وتعزيز السيادة الاقتصادية في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه قدرة المؤسسات والأسر على كسب العيش.

ومنذ أبريل 2023، أدت الحرب إلى تعطيل منشآت ومؤسسات إنتاجية ونزوح ملايين السودانيين، فيما تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الاضطراب الاقتصادي والصراع أضعفا فرص العمل ورفعا هشاشة العمالة، مع صعوبة الحصول على بيانات وطنية محدثة وشاملة بسبب الظروف الأمنية. كما أفادت تقارير إنسانية دولية بأن ملايين الأشخاص يحتاجون إلى المساعدة، وأن سبل كسب العيش تضررت بشدة، خصوصاً في الزراعة والتجارة والخدمات. وتؤكد هذه المعطيات أن مواجهة البطالة والفقر لا يمكن أن تنفصل عن إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي، ودعم الأسر المنتجة، وتأهيل الكوادر القادرة على قيادة التعافي.

ويمتلك السودان موارد زراعية وحيوانية ومعدنية وطاقات بشرية واسعة، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية وسيادة فعلية على القرار الوطني يتطلب سياسات تربط التأهيل باحتياجات السوق، والتمويل بجدوى المشروعات، والتخطيط بنتائج قابلة للقياس. فالدولة التي لا تستثمر في مهارات مواطنيها ولا تملك القدرة على إنتاج احتياجاتها الأساسية تظل أكثر عرضة للتبعية والاضطراب.

ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الانتقال من امتلاك الموارد والمهارات إلى استثمارها في إنتاج مستدام يدعم الاقتصاد القومي، ويخلق فرص العمل، ويعزز استقلال القرار والسيادة الوطنية؟

التدريب والتمكين.. من التأهيل إلى الإنتاج

تتمثل إحدى القضايا الأساسية في مدى توافق مخرجات التدريب مع احتياجات الاقتصاد الفعلية. فالتأهيل الذي لا يقود إلى فرصة عمل أو نشاط إنتاجي يظل محدود الأثر، مهما تعددت برامجه. لذلك، ينبغي توجيه التدريب المهني والتقني نحو القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها الزراعة والتصنيع الزراعي والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية والطاقة والبناء والخدمات الرقمية، مع إشراك أصحاب الأعمال في تحديد المهارات المطلوبة، وتوفير فرص للتطبيق العملي، وقياس النتائج من خلال معدلات التوظيف والاستمرار في العمل.

وتشير تجارب برامج الاستجابة للأزمة في السودان خلال 2023 و2024 إلى أهمية التدريب القصير المرتبط بالدخل، مثل صيانة مضخات المياه والطاقة الشمسية، وتصنيع الأغذية وتجفيف المحاصيل، والخياطة، وإدارة المشروعات الصغيرة، والخدمات الرقمية. غير أن أثر هذه البرامج يظل محدوداً إذا لم تقترن بمعدات ومدخلات إنتاج وأسواق وتمويل صغير. لذلك، ينبغي أن يتضمن كل برنامج خط أساس واضحاً، وعدداً مستهدفاً من فرص العمل، ومتابعة بعد ستة أشهر أو عام لقياس استمرار النشاط والدخل والإنتاجية.

ويحتاج تمكين الشباب والنساء وأصحاب المشروعات الصغيرة إلى منظومة تتجاوز التمويل الأولي، فتشمل التدريب الإداري والفني، ومدخلات الإنتاج، والتسويق والمتابعة. ويمكن للجمعيات التعاونية والمشروعات المجتمعية أن تسهم في تنظيم الإنتاج وتحسين الوصول إلى الأسواق وتخفيض التكاليف، شريطة ضمان شفافية اختيار المستفيدين، ووضوح معايير التمويل، وتوفير بيئة تسمح بالنمو والاستمرار.

وفي القطاع الزراعي، يمكن أن يركز التدريب على تقليل فاقد ما بعد الحصاد، وتحسين التخزين والتعبئة، واستخدام تقنيات الري الموفرة للمياه، وربط المنتجين بالمشترين. فرفع الإنتاج لا يتحقق بزيادة المساحات المزروعة وحدها؛ إذ إن تحسين الإنتاجية وسلاسل القيمة قد يخلق وظائف إضافية في النقل والتصنيع والتسويق، ويزيد العائد من المحاصيل والثروة الحيوانية.

إعادة الإعمار.. أولوية لبناء القدرات الوطنية

تتطلب إعادة إعمار السودان أكثر من إصلاح المنشآت والبنية التحتية؛ فهي تحتاج إلى كوادر قادرة على التشغيل والصيانة، ومهارات تواكب متطلبات القطاعات التي تسعى إلى استعادة نشاطها. وعليه، ينبغي إدماج التدريب والتمكين في خطط التعافي الاقتصادي، مع تحديد احتياجات كل ولاية وفق مواردها وظروفها والقطاعات القابلة للنهوض، بما يوجه الموارد نحو الأنشطة القادرة على استيعاب العمالة وتحريك الأسواق المحلية.

وتقدم إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق والمدارس والمراكز الصحية مجالاً عملياً لتشغيل الشباب وتدريبهم في أعمال البناء والسباكة والكهرباء واللحام والصيانة. كما يمكن ربط مشروعات النقد مقابل العمل أو التشغيل المؤقت بمسارات تدريبية وشهادات مهنية، حتى لا تنتهي فائدتها بانتهاء المشروع، بل تتحول إلى خبرة قابلة للتسويق في سوق العمل.

المسؤولية السياسية والمؤسسية.. التنفيذ تحت الرقابة

لا تكفي الاستراتيجيات المعلنة لضمان تحقيق الأهداف؛ إذ يتطلب التنفيذ تحديد الجهات المسؤولة، والموارد المتاحة، والجداول الزمنية، وآليات الرقابة والتقييم.

وتقع على المؤسسات المعنية بالتخطيط والعمل والتمويل مسؤولية التنسيق مع القطاع الخاص ومؤسسات التدريب والاتحادات المهنية، بما يضمن تكامل الأدوار وتجنب ازدواجية البرامج. كما ينبغي اعتماد مؤشرات أداء واضحة تشمل نسبة المتدربين الذين حصلوا على وظائف، وعدد المشروعات التي استمرت في الإنتاج، وفرص العمل المستحدثة، والتغير في الإنتاجية والدخل، مع نشر تقارير دورية توضح النتائج وأوجه القصور والإجراءات التصحيحية.

ومن المهم أيضاً إنشاء قاعدة بيانات محدثة لسوق العمل، تتضمن الفئات العمرية، ومناطق النزوح، والمهارات المتاحة، والقطاعات التي تعاني نقصاً في العمالة. فغياب البيانات الدقيقة يجعل تقدير البطالة وقياس أثر التدريب أكثر صعوبة، ويؤدي إلى تكرار البرامج أو توجيه الموارد إلى تخصصات لا تستوعبها الأسواق. ويمكن للجامعات ومراكز الإحصاء والقطاع الخاص والمنظمات الدولية التعاون في تحديث هذه البيانات بصورة دورية، مع مراعاة حماية الخصوصية وسلامة المستفيدين.

أسئلة أمام صناع القرار

تفرض المرحلة الراهنة ثلاثة أسئلة عملية:

– كيف يمكن ضمان ارتباط التدريب بوظائف واحتياجات إنتاجية فعلية؟
– ما الآليات الكفيلة بتوجيه التمويل إلى مشروعات قابلة للاستمرار والتوسع؟
– كيف تُراقب النتائج وتُعلن للرأي العام، وتُعالج أوجه القصور في التنفيذ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب برنامجاً وطنياً محدد الأولويات، تتكامل فيه مسؤوليات المؤسسات العامة والقطاع الخاص، وتخضع مخرجاته للتقييم المنتظم. كما تتطلب تحديد أهداف قابلة للقياس، مثل تدريب عدد محدد من الشباب والنساء، وإطلاق مشروعات في سلاسل قيمة مختارة، ورفع نسبة استمرار المشروعات بعد عام، وزيادة الإنتاجية والدخل بدلاً من الاكتفاء بعدد الدورات المنفذة.

الخاتمة: من الإمكانات إلى القرار الاقتصادي

إن التحدي أمام السودان لا يتمثل في نقص الطاقات وحدها، بل في بناء منظومة قادرة على تنظيمها وتوظيفها بكفاءة. ويقتضي ذلك أن يصبح التدريب جزءاً من سياسة التشغيل، والتمكين جزءاً من استراتيجية الإنتاج، والتقييم أساساً لتطوير الأداء المؤسسي.

فالمطلوب ليس توسيع البرامج في حد ذاتها، بل ضمان أن تقود إلى وظائف حقيقية ومشروعات مستدامة وعائد اقتصادي ملموس. وتؤكد ظروف السودان الراهنة أن كل برنامج تدريب ينبغي أن يرتبط بمسار واضح نحو العمل أو الإنتاج، وأن كل مشروع تمويلي يجب أن يقاس بقدرته على الاستمرار وخلق دخل وفرص عمل. عندها فقط يصبح الاستثمار في الإنسان رافعة للتعافي، وتتحول الإمكانات الوطنية إلى أساس أكثر صلابة لاستقلال القرار الاقتصادي.