باريس، نيويو في خطوة تهدف إلى تصحيح المفاهيم البصرية المغلوطة التي رسختها خرائط “ميركاتور” لقرون، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية عن تحول استراتيجي في اعتماد الخرائط الرسمية للدبلوماسية الفرنسية، بالتزامن مع توجه مماثل للجمعية العامة للأمم المتحدة.
أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان نوال بارو، خلال فعالية “La Fabrique de la diplomatie” في جامعة السوربون، أن باريس ستتخلى رسمياً عن إسقاط “ميركاتور” -الذي يضخم مساحات المناطق القطبية ويقلص أبعاد الدول الواقعة قرب خط الاستواء- لصالح “إسقاط إيكيرت الرابعة” (Eckert IV)، الذي يعكس الأحجام الحقيقية للقارات بنسبة أكثر دقة وعدالة.
من أجل “العدالة المعرفية”
وأكد الوزير بارو أن الخرائط ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي انعكاس لرؤى سياسية وتاريخية، مشدداً على أن “تصحيح تمثّل يشوّه الواقع هو عمل من أجل الحقيقة”. وأوضح أن الإسقاطات التقليدية منحت أهمية بصرية مفرطة لدول الشمال على حساب أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وهو ما يعد تشويهاً بصرياً يتطلب المعالجة.
تحرك دولي واسع
وتتزامن الخطوة الفرنسية مع قرار تاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث صوتت 164 دولة لصالح قرار “تصحيح الخريطة” الذي يدعو لاستخدام إسقاط “Equal Earth” (الأرض المتساوية) المعتمد منذ عام 2018، والذي يهدف إلى تقديم تمثيل جغرافي أكثر إنصافاً. وقد وصف القرار هذا التحول بأنه “عمل من أعمال العدالة المعرفية وجبراً للذاكرة”.
وعلى الرغم من معارضة الولايات المتحدة لهذا القرار واعتباره “مشروعاً أيديولوجياً جذرياً”، إلا أن التحرك يحظى بدعم دولي واسع، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي الذي اعتمد النموذج بالفعل في وقت سابق من العام الجاري.
تحديات الانتقال
ورغم هذا التوجه الدبلوماسي والمؤسسي، لا تزال الخرائط التقليدية (ميركاتور) تهيمن على المناهج التعليمية والمنصات الرقمية العالمية مثل “خرائط جوجل”. وتطرح هذه الخطوة تساؤلات حول مدى سرعة تبني المؤسسات التعليمية والتقنية لهذا التغيير الجوهري في إدراك حجم كوكبنا.
وتؤكد الجهات الداعمة لهذه المبادرة أن الانتقال نحو خرائط “متساوية المساحات” لا يهدف لإلغاء الموروث التاريخي، بل لتوفير أدوات تعليمية وبصرية تحاكي الواقع الجغرافي بشكل أكثر موضوعية وإنصافاً.
