حين يُفتح باب الحوار السوداني–السوداني بحثًا عن مخرج حقيقي لأزمة الوطن، يجب أن يكون هذا الحوار مختلفًا عن كل التجارب السابقة؛ حوارًا جادًا يجمع السودانيين حول طاولة واحدة، ويستمع إلى مختلف الأصوات، ويضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
وفي هذا الحوار، لا يمكن أن تكون المرأة مجرد حضور ثانوي أو اسم يُضاف إلى القوائم لإظهار أن الحوار شامل. فالمرأة السودانية كانت وما زالت في قلب الأزمة، تحملت تبعات الحرب والنزوح والفقد والفقر، وتحملت مسؤولية الأسرة والمجتمع في أصعب الظروف، وكانت شريكًا أساسيًا في مواجهة آثار الأزمة.
فكيف تتحمل المرأة نتائج القرارات، ولا تكون شريكة في صناعتها؟
إن مشاركة المرأة في الحوار السوداني–السوداني ليست مجاملة ولا منحة سياسية، بل استحقاق وطني يعكس حقيقة المجتمع السوداني. ونؤكد أن مشاركة المرأة يجب ألا تقل عن 40%، على أن تكون مشاركة مؤثرة وحقيقية، وليست مجرد تمثيل عددي بلا صلاحيات أو تأثير.
المطلوب أن تكون المرأة حاضرة في طاولة الحوار والتفاوض، وفي صياغة الاتفاقات والتوصيات، وفي لجان التنفيذ والمتابعة، وفي مواقع صناعة القرار؛ لأن التمثيل العددي وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه تأثير حقيقي في القرار.
المرأة التي عاشت الحرب تعرف حجم المعاناة، والتي عاشت النزوح تعرف معنى الاستقرار والعودة، والتي تحملت مسؤولية الأسرة تعرف احتياجات المجتمع، والتي واجهت انهيار الخدمات تدرك حجم التحديات التي تنتظر مرحلة ما بعد الحرب.
ولهذا فإن إبعاد المرأة عن صناعة الحلول يعني إبعاد جزء مهم من التجربة السودانية عن طاولة المستقبل.
كما أن دور المرأة لا ينبغي أن يُحصر في القضايا الاجتماعية فقط، بل يجب أن تكون شريكة في كل الملفات الوطنية: السلام، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتشريع، والإدارة، وإعادة الإعمار، والمصالحة الوطنية، وكل القضايا التي ترتبط بمستقبل السودان.
لقد تجاوزنا مرحلة السؤال عن عدد النساء الموجودات في قاعة الحوار، وأصبح السؤال الأهم: هل كان للمرأة تأثير حقيقي في القرارات التي ستحدد مستقبل البلاد؟
نريد مشاركة تنتقل فيها المرأة من مجرد الحضور إلى التأثير، ومن التمثيل إلى الشراكة، ومن الاستماع إلى صوتها إلى مشاركتها الفعلية في صناعة القرار.
الحوار السوداني–السوداني لن يكون شاملًا ما لم يعكس السودان بكل مكوناته وأصواته، والمرأة جزء أصيل من هذا الوطن، وليست طرفًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه.
إن السودان في هذه المرحلة يحتاج إلى تكاتف كل أبنائه وبناته، ويحتاج إلى حوار يقوم على المسؤولية والعدالة والشراكة الحقيقية.
لا نريد للمرأة مقعدًا لإكمال النصاب، ولا اسمًا لإثبات شمولية الحوار، بل نريد لها صوتًا مسموعًا، ودورًا فاعلًا، وقرارًا مؤثرًا، وموقعًا حقيقيًا في صناعة مستقبل السودان.
فالمرأة السودانية ليست شاهدة على صناعة القرار، ولا طرفًا ثانويًا في الشأن الوطني؛ بل هي شريك أصيل في اتخاذ القرار، وصناعة السياسات، ورسم مستقبل السودان. ومشاركتها ليست تكميلًا للصورة، وإنما حق ومسؤولية وطنية تفرضها حقيقة دورها في المجتمع وما تحملته من أعباء الأزمة.
