في تطور لافت للمشهد السياسي في أوغندا، أعلن قائد الجيش الأوغندي الجنرال موهوزي كاينيروغابا -نجل الرئيس يوري موسيفيني- إلغاء مظاهرة كانت مقررة في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري أمام السفارة التركية في كمبالا، وذلك بعد ما وصفه بـ”التفاهم” الذي تم التوصل إليه مع الجانب التركي.
جاء هذا التراجع بعد سلسلة من التصريحات والتهديدات المثيرة للجدل التي أطلقها الجنرال كاينيروغابا عبر منصة “إكس”، والتي وضعت العلاقات الثنائية بين كمبالا وأنقرة في حالة من التذبذب، بين شد وجذب، على الرغم من تأكيدات الخارجية الأوغندية على متانة الروابط بين البلدين.
جذور الأزمة: من التدوين إلى السكك الحديدية
لا تبدو الأزمة مجرد خلاف عابر، بل تعكس تداخلاً معقداً بين المطالب السياسية والمصالح الاقتصادية. فقد كشف “مراقبون” أن أحد المحركات الرئيسية لتحركات كاينيروغابا هو مطالبة السلطات الأوغندية بتسليم المدون المعارض المقيم في تركيا، “فريد لومبويي”، الذي تتهمه أجهزة الأمن بالتحريض ضد حكومة والده. ورغم المطالبات الأوغندية المتكررة، لم تستجب أنقرة لهذه الطلبات، مما أشعل فتيل التوتر.
إلى جانب ملف المدون، طفت على السطح خلافات اقتصادية، أبرزها إعلان كاينيروغابا في يونيو/حزيران الماضي إلغاء عقد السكك الحديدية الذي تبلغ قيمته نحو 3 مليارات دولار، والذي كانت تتولاه شركة “يابي مركزي” التركية، مبرراً ذلك بالبحث عن شريك “أجدر”، رغم أن المشروع يحظى بتمويلات دولية وكان قد بدأ العمل فيه بالفعل.
الخلفية الجيوسياسية: حسابات الصومال
خلف هذه الضجة الإعلامية، يرى محللون أن هناك حسابات أمنية ومالية معقدة. فأوغندا، التي تعد لاعباً رئيسياً في قوات حفظ السلام بالصومال، تواجه أزمة في مستحقاتها المالية المتأخرة لدى الاتحاد الأفريقي والتي تتجاوز 100 مليون دولار. وقد ربط مراقبون بين غضب كاينيروغابا وفشل اتفاقيات أمنية ثلاثية كانت تهدف إلى ترتيب سداد كلفة العمليات الأمنية في الصومال بمساعدة تركية، مما أدى إلى تصاعد نبرة كاينيروغابا الذي طالب سابقاً بمليار دولار كـ”عائد أمني”.
تضارب المواقف.. بين “الجنرال” و”الخارجية”
تُظهر الأزمة فجوة واضحة في الخطاب الأوغندي؛ فبينما يتبنى كاينيروغابا نبرة تصعيدية تصل إلى حد التهديد بإغلاق السفارة التركية، تحرص وزارة الخارجية الأوغندية على طمأنة أنقرة. وقد أكد وزير الخارجية السابق، جيجي أودونغو، في أكثر من مناسبة، على قوة العلاقات التاريخية والتبادل التجاري المتنامي الذي بلغ 160.5 مليون دولار في عام 2025، معلناً عن خطط لتعزيز هذه الروابط في لقاءات وزارية قادمة.
أما الجانب التركي، فقد التزم الصمت إزاء التهديدات الشخصية، مكتفياً بتصريحات متزنة لمسؤولين في الحزب الحاكم، أكدوا فيها أن أنقرة لا تحمل أي ضغينة تجاه أوغندا، وأن تصريحات قائد الجيش الأوغندي “تحتاج إلى تصحيح”.
نمط متكرر
يرى مراقبون أن تصريحات كاينيروغابا تتبع نمطاً متكرراً من “الدبلوماسية عبر تويتر”، حيث يطلق مواقف حادة ومثيرة للجدل في أوقات متأخرة، ثم يتراجع عنها أو تحذف لاحقاً، مما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذه المواقف على السياسة الرسمية للدولة الأوغندية، لا سيما في ظل التكهنات المستمرة حول كونه “الوريث المحتمل” لحكم والده المخضرم.
ويبقى السؤال المعلق: هل انتهت الأزمة فعلاً بـ”التفاهم” الذي أعلن عنه الجنرال، أم أنها مجرد تهدئة مؤقتة في علاقة تشوبها المصالح المالية المعقدة والملفات الأمنية الشائكة؟
