شهدت الأشهر الأخيرة تحولات جيوسياسية بالغة الخطورة، إثر اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. هذه الحرب المفتوحة التي تهدد بنية الطاقة ومفاصل الاستقرار في الشرق الأوسط، تسلط الضوء على واقع جديد ومقلق تفرضه تداعيات الصراع على أمن واستقرار دول المنطقة.
أولاً: تداعيات الحرب الأميركية – الإيرانية على بنية الطاقة والاستقرار
- حرب الاستنزاف وتوسعة نطاق المواجهة: تطورت المواجهة المتاحة منذ مطلع العام الجاري إلى حرب استنزاف شاملة، امتدت نطاقاتها لتشمل هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ طالت البنى التحتية لقطاع الطاقة، محطات تحلية المياه، ومصافي النفط الحيوية في دول الخليج، فضلاً عن تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز واستهداف منشآت إقليمية وصولاً إلى مصر.
- تقارير “فورين أفيرز”: خسائر تفوق البنية التحتية: يحذر تحليل مشترك نُشر في مجلة “فورين أفيرز” وأعده محللون بارزون في “بلومبرغ إيكونوميكس”، من أن الضرر الناجم عن الصراع يتجاوز الخسائر المادية المباشرة، ليطال الاستقرار السياسي والاقتصادي لدول الخليج التي عُرفت طويلاً باستقرارها المالي النسبي، وسط انقسامات إقليمية متزايدة وخيارات سياسية حرجة للغاية.
ثانياً: أزمة الثقة مع واشنطن وتبعات تغليب المصلحة الإسرائيلية
- الشعور بالـ”غدر” وتهميش المصالح العربية: عاشت عواصم الخليج رهاناً طويلاً على تحسن العلاقات مع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب، واضعة استثمارات ضخمة وعلاقات واسعة في هذا المسار. غير أن شن حرب تهدد بقاء واستقرار المنطقة تلبيةً للرغبة الإسرائيلية في إضعاف طهران، أثبت لحكومات المنطقة عدم القدرة على الركون الكامل للضمانات الأمنية الأمريكية.
- محدودية البدائل الدولية وشراكات الضرورة: سعت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدفاعية – مثل اتفاقيات الدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان – والتوجه نحو كوريا الجنوبية وأوروبا. ومع ذلك، تبقى هذه الخيارات محدودة نظراً لغياب شريك أمني بديل بمستوى الالتزام الأمريكي، فضلاً عن السخط الإقليمي من مواقف الصين وروسيا الداعمة لجهود إعادة بناء القدرات الإيرانية.
ثالثاً: معضلة مضيق هرمز والتهديدات الوجودية للاقتصادات الريعية
- شلل صادرات الطاقة وانهيار الموازنات: أدى إغلاق مضيق هرمز – الذي تمر عبره خمس إمدادات الطاقة العالمية – إلى شلل تام في صادرات النفط والغاز، مما يهدد بانهيار مالي واضطرابات سياسية داخلية خطيرة في دول تعتمد كلياً على عائدات الطاقة، مثل العراق الذي يواجه صعوبة بالغة في سداد أجور القطاع العام، والبحرين المصنفة بين الأكثر مديونية عالمياً.
- حلول استراتيجية مكلفة: تدرس حكومات المنطقة بدائل لوجستية لتجاوز نقاط الاختناق البحرية، مثل إنشاء مستودعات نفطية استراتيجية خارجية ومد خطوط أنابيب جديدة، رغم ما تعتريه هذه المشاريع من تعقيدات سياسية وأمنية وعرضتها الدائمة للتخريب.
رابعاً: نحو آلية إقليمية جديدة للاكتفاء الذاتي والأمن المشترك
- الحاجة الماسة للحوار مع طهران: أثبتت سنوات الاحتواء العسكري فشلها في منع التهديدات المباشرة، مما يفرض على دول المنطقة ضرورة فتح قنوات حوار صعبة ومباشرة مع إيران لضمان المصالح المشتركة، رغم العراقيل الكبيرة التي تفرضها الهجمات الإيرانية المباشرة على دول الخليج.
- الحتمية الدفاعية والتعاون الإقليمي: يُجمع الخبراء على أن تجاوز الصراع الراهن يتطلب من دول المنطقة ابتکار آليات جديدة ومستقلة لإدارة الخلافات البينية، وتطوير شبكات دفاع جوي وإنذار مبكر مشتركة، والتحرك نحو أقصى درجات الاكتفاء الذاتي الأمني والاقتصادي؛ باعتبار ذلك المخرج الوحيد المتاح لصون ثروات المنطقة وضمان بقائها في مواجهة الاضطرابات القادمة.
