إعداد: د.مهند عثمان
في العلوم السياسية تعرف الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف، أما في السودان فقد تحول هذا التعريف إلى أضغاث أحلام إذ تآكل احتكار العنف لصالح أسواق مفتوحة للبندقية، بتنازع أكثر من 100فصيلاً وقوة مسلحة النفوذ والشرعية، لم يكن هذا الواقع وليد اللحظة أو نتاج حرب 15 أبريل وحده بل نتاج هيكلي تراكمي عبر عقود من الزمان، فقد عرف السودان في مظلة المهدية تعدد الجيوش تحت قيادة لواءات كانت البداية الأولي لعدم وجود قوات نظامية واحدة في عهد السودان الحديث بعد عهد المماليك، وبروز بوادر انشقاقات لكتائب وقيادات وخروجها عن طوع المهدية خاصة في عهد التعايشي.
إرث الفوضى مراحل التشظي
لفهم كيف فقد السودان سيادته يجب العودة إلى المختبر التاريخي الذي صاغ هذا التفكك، يمكن تقسيم هذه المأساة إلى ثلاث محطات مفصلية تشكلت كل منها ضربة جديدة في جسد الدولة الوطنية:
1. مرحلة التأسيس (1956-1983): خطيئة الاعتماد على الأطراف
بدأت الدولة السودانية بعيب خلقي تمثل في تهميش الأطراف مما دفع النخب الحاكمة لاستخدام الأمن القبلي كبديل عن الأمن الوطني، تم استيراد فكرة عسكرة الأطراف حيث اعتمدت الحكومات السودانية على تسليح قبائل بعينها لمواجهة تمردات في الجنوب والغرب، هذا التوجه رسخ ثقافة الولاءات القبلية فوق الولاء للدولة وأسس لفكرة أن السلاح هو الطريقة الوحيدة لانتزاع الحقوق أو الحماية،ومن قبلها قبل الاستقلال سياسة المناطق المقفولة التي ارتبط حقوق المواطن فيه بالقبلية فظهرت الإختلالات عندما لم تسعى الحكومات المتعاقبة علي معالجة إفرازات المناطق المقفولة اجتماياً.
2. مرحلة المحاصصة العسكرية (2005-2020): الاعتراف بشرعية التفتت
كانت هذه المرحلة هي الأكثر تأثيراً في هيكلة الفوضى تحت ضغط اتفاقيات السلام (نيفاشا وابوجا والدوحة وجوبا) بتحول التمرد من خارج على القانون إلى شريك في السلطة بجيش خاص، لقد منحت الاتفاقيات الحركات المسلحة شرعية الاحتفاظ بقواتها كجزء من الترتيبات الأمنية، هذا التحول أدخل الدولة في دوامة الجيوش الموازية التي لا تخضع لقيادة مركزية موحدة.
3. مرحلة الانفجار (2023-الآن): “عصر الحياد والانحياز
وصلت العملية إلى ذروتها بعد 15 أبريل، حيث تحولت المجموعات الحاملة للسلاح إلى فاعلين سياسيين يملكون القرار الفعلي، لقد أدى هذا تحويل الدولة إلى مساحة نفوذ يتقاسمها من بيده السلاح مما يعني أن السيادة أصبحت مفهوماً مجرداً لا وجود له على الأرض، مع بروز مصطلح الحياد للقوات الحاملة للسلاح ومع إستمرار الحرب برز مصطلح الانحياز
اقتصاد الحرب
القتال في السودان تحول إلى مشروع تجاري مستدام بعسكرة الموارد، أصبح السلاح اللغة السائدة في موارد السودان ومسارات التهريب والجبايات القسرية، فالسلام يعني فقدان جيب جباية لمجموعة أو فرد، توقفت الحروب في السودان عن كونها صراعات أيديولوجية، وتحولت إلى نموذج أعمال فإن وجود أكثر من 124 فصيلاً ليس صدفة، بل هو نتيجة لولوج أعمال اقتصاد الحرب ببروز جنرالات تحمل رتب عليا كلواء أعمارهم اقل من سنين خدمة الوصول إلي رتبة اللواء.
تعدد الجيوش:
ظاهرة انشقاق وميلاد حركات متلازمة سودانية، فكلما اقتربت تسوية سياسية ظهرت حركة جديدة أو إنشقاق جديد أو جناح تصحيحي يطالب بحصته من السلطة والمال، مما جعل تعدد الجيوش آلية ذاتية التكرار.
انهيار العقد الاجتماعي
إن الخطر الأكبر لا يكمن في البنادق فحسب بل في تآكل العقد الاجتماعي، المواطن السوداني اليوم لا يبحث عن قانون أو شرطة بل يبحث عن زعيم قبيلته أو قائد فصيل منطقته ليحتمي به، هذا يعني أن المواطنة أصبحت مفهوماً غائباً أمام سطوة السلاح، وأن الولاء الوطني قد استبدل بولاءات ضيقة مما يهدد بتمزيق النسيج المجتمعي لسنوات قادمة، هناك تحول اجتماعي خطير فقد نجحت ثقافة الحرب في تنميط التمرد كمسار مهني للشباب السوداني بعسكرة الوعي، عندما يرى الشباب أن القائد الميداني هو الشخص الأكثر نفوذاً وثراءً في قريته تصبح البندقية هي الوسيلة الأسرع للارتقاء الاجتماعي، مما يمهد الطريق لنزاعات أهلية طويلة الأمد قد لا تنتهي بانتهاء الحرب المركزية.
كيف أصبحت الحرب السودانية شركة عابرة للقارات؟
السودان بموقعه الجيوسياسي وموارده أصبح ساحة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية، فإن تعدد الجيوش ليس فقط شأناً داخلياً، بل انعكاس لتدفقات الدعم الخارجي، تستخدم بعض القوى الإقليمية الفصائل السودانية كأوراق ضغط في ملفات أخرى (مثل تأمين ممرات الملاحة و التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي) هذا الدعم الخارجي هو لأكسجين الذي يبقي الحروبات حية، مما يجعل السيادة الوطنية مفهوماً لا قيمة له أمام منطق الربح والخسارة.
السيناريو القاتم
إذا استمرت هذه الحرب الجارية الآن، فإننا أمام سيناريو الأرخبيل حيث تفقد المركزية قدرتها على الحكم وتتحول الولايات أو المناطق إلى جزر معزولة، كل جزيرة تحكم بقانون الغابة وتدار اقتصادها بتدابير خاصة ولا يربطها بالمركز سوى روابط هشة.
الخطر الاكبر
خطر التفكك الدائم فإن بقاء هذا الوضع لخمس سنوات أخرى يعني نشوء أجيال جديدة لا تعرف سوى لغة السلاح وهجرت دور العلم والعبادة مما يجعل من الصعب جداً إدماجهم في دولة القانون مستقبلاً، أو ركيزة من ركائز السلام، والسوداني سيعاني في الخدمة المدنية والشرائح المنتجة حتي عام2050م
العوامل التي تمنع السلام الآن
- عامل دولي: لعب دول خارجية أدوار مهمة في استمرار أمد الحرب منذ انطلاق الطلقة الأولي وسعيها لتحقيق مكاسبها ومن ثم تحقيق السلام في السودان
- عامل محلي: الاعتراف المحلي بضرورة أن أي محاولة سلام أو مؤتمرات أو مباحثات بالضرورة أن تشارك فيها كل المنظومات السياسية دون استثناء من أقصى اليمين الي أقصى اليسار
- عامل الثقافة: تحول حمل السلاح من السلاح الأبيض الي السلاح الناري كرمز للوجاهة والقوة نتاجه تسميم الوعي الجمعي للشباب.
هل الحل ممكن؟
إن الحل ليس عسكرياً بحتاً، وللخروج من هذا النفق يتطلب السودان هندسة اجتماعية واقتصادية شاملة بحوار وطني يفتح الباب للمجتمع المدني والشباب والنساء لإعادة صياغة هوية الدولة السودانية بعيداً عن سلطة الكاكي، وتقديم بدائل للشباب (تعليم، توظيف، تنمية) تكون أكثر جاذبية من حمل السلاح
ختاماً: السؤال الذي يبقى معلقاً هل تملك النخبة السياسية السودانية بشقيها المدني والعسكري الشجاعة لكسر دائرة تعدد الجيوش، لأن ببساطة استحالة قيام دولة وطنية بأكثر من مائة تنظيم عسكري، فتلطريق الوحيد للخروج من هذا النفق لا يكمن في اتفاقيات سلام جديدة توزع المناصب، بل في قرار وطني شجاع تفكيك الاقتصاد الحربي، بحصر السلاح في يد مؤسسة عسكرية واحدة ومهنية، وما لم يحدث ذلك فإن السودان سيظل حبيس غابة السلاح، ويكتب تاريخه بحبر النزاعات وتضيع فيه هوية الدولة لصالح سلطة البندقية.
