في الوقت الذي يرتبط فيه المسيحيون الفلسطينيون بأرضهم بجذور تاريخية تمتد لأكثر من ألفي عام، تلوح في الأفق بوادر أزمة وجودية تهدد هذا الوجود التاريخي. حيث تحذر تقارير ميدانية وقيادات دينية من أن “تآكل الوجود المسيحي” في الضفة الغربية المحتلة بلغ مستويات مقلقة، مدفوعاً بـ”مقصات” الاحتلال المتمثلة في تصاعد عنف المستوطنين، الاقتحامات العسكرية المتكررة، وتردي الأوضاع الاقتصادية الخانقة.
نزيف سكاني متسارع
يكشف القس متري الراهب، مؤسس جامعة دار الكلمة في بيت لحم، عن أرقام توحي بـ”نزيف” مستمر، مشيراً إلى أن أكثر من مئتي عائلة مسيحية غادرت الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023. ويطلق الراهب تحذيراً شديد اللهجة: “إذا ما استمرت الظروف الراهنة على هذا المنوال، فإن الوجود المسيحي الفلسطيني في عام 2050 قد يصبح جزءاً من التاريخ فقط”.
وتشير الإحصائيات إلى تراجع مريع في نسبة المسيحيين الذين يقطنون الضفة الغربية، إذ انخفضت نسبتهم من 6% عام 1967 (عام احتلال الضفة) إلى ما يزيد قليلاً عن 1% حالياً، أي ما يعادل 40 إلى 45 ألف نسمة فقط.
الشباب بين مطرقة الواقع وسندان الرحيل
لا تقتصر الأزمة على العائلات، بل تمتد لتشمل طموحات الشباب الذين باتوا يرون الهجرة “طوق نجاة”. عيسى قسيس، شاب ريادي في مجال الدعاية والإعلان برام الله، يمثل نموذجاً لهذا الإحباط. يقول قسيس: “كلما أتقدم خطوة في عملي، أرجع ثلاثاً إلى الوراء”، واصفاً معاناته اليومية مع الحواجز العسكرية التي تستنزف ساعات من وقته، والمناخ الاقتصادي المتردي. ويضيف بمرارة: “حتى الأهل، الذين كانوا يوماً يرفضون رحيلنا، باتوا يشجعوننا على الهجرة بحثاً عن حياة كريمة، وهو واقع مؤلم وجارح”.
“سهولة” الهجرة وعوامل الجذب
تؤكد وزيرة الخارجية الفلسطينية، فارسين أغابيكيان، أن عوامل اجتماعية ودولية تجعل الهجرة خياراً “أيسر” للمسيحيين مقارنة بغيرهم، مثل وجود جاليات فلسطينية مسيحية كبيرة في الخارج (لا سيما في تشيلي والأميركتين) تسهل عمليات الاستقرار والعمل. وتعتبر أغابيكيان أن هذا التناقص في أعداد المسيحيين في “مهد المسيح” (بيت لحم والقدس) يجب أن يدق جرس إنذار للمجتمع الدولي والمسيحي العالمي لرؤية حقيقة واقع الاحتلال.
“الطيبة” ووجع الحجارة
في بلدة الطيبة شرق رام الله، التي توصف بأنها آخر البلدات المسيحية في الضفة، يتجسد وجع “الحجارة الحية”. حيث وثقت الكنائس رحيل أكثر من 15 عائلة منذ أكتوبر 2023. ويروي الأب بشار فواضلة، راعي كنيسة اللاتين، تفاصيل المعاناة اليومية في البلدة التي تعرضت لاعتداءات مستوطنين طالت حتى ممتلكات الكنيسة الأثرية التي تعود للقرن الخامس الميلادي. ويؤكد فواضلة أن “انعدام الأمان” هو المحرك الأساسي لقرار السكان بمغادرة أرضهم.
أرقام تؤكد التوقعات
وتأتي هذه الشهادات لتتقاطع مع دراسات بحثية سابقة، حيث أظهر استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2020 أن 35% من المسيحيين يخططون للهجرة. ويرى مدير المركز، خليل الشقاقي، أن معدلات الرغبة في الهجرة بين المسيحيين تضاعف نظيرتها لدى المسلمين، مؤكداً أن المعطيات على الأرض منذ ست سنوات وحتى اليوم تشير إلى أن “الظروف باتت أكثر قسوة وسوءاً”.
في المحصلة، يواجه المسيحيون الفلسطينيون تحدياً مزدوجاً؛ الحفاظ على هويتهم التاريخية في أرضهم، ومواجهة سياسات الاحتلال التي لم تفرق بين حجر وشجر، أو بين مسجد وكنيسة، مما يضع مستقبل “الوجود المسيحي” في فلسطين أمام تحدٍ تاريخي مصيري.
