في عالم التراث السوداني، قد تخدعك الأسماء أحياناً. حين تسمع بـ”لُبّة دقن الخميني”، يتبادر إلى ذهنك فوراً ارتباط سياسي أو تاريخي بإيران، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن السياسة، وأقرب ما تكون إلى فنون الصياغة والزينة في طقوس “الجرتق” السودانية الأصيلة.

لماذا “الخميني”؟
السر يكمن في “الهندسة” لا الأيديولوجيا. فهذه القطعة الفريدة التي تتلألأ على صدر العروس السودانية، مصممة على شكل مثلث مقلوب يتدرج في ضيقه حتى ينتهي بجنيه ذهبي واحد. هذا التصميم المثلثي، بخطوطه الهابطة، يشبه في مخيلة الصاغة والأهالي “لحية” مرشد الثورة الإيرانية الراحل روح الله الخميني، ومن هنا التصق الاسم بالقطعة وبات جزءاً لا يتجزأ من مفردات الزواج التقليدي لعقود طويلة.

أكثر من مجرد زينة
يوضح التوثيق التاريخي للباحثة د. سلوى عبد المجيد المشلي، أن “دقن الخميني” ليست مجرد قلادة، بل هي ذاكرة اجتماعية. قديماً، كان الجنيه الإنجليزي الذهبي (بصورة الملك جورج الخامس) هو المكون الأساسي لهذه الحُلي. ولم يكن الذهب للزينة فحسب؛ بل ساد اعتقاد شعبي بأنه “يدفع العين والحسد”، فكانت العين تقع على صورة الملك المنقوشة بدلاً من العروس.

تحولات العصر.. من الذهب الخالص إلى “الذهب الصيني”
مع الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب، بدأت هذه القطعة التراثية رحلة تحول اضطرارية:
* كانت العقد يُصنع من عشرات الجنيهات الذهبية، مما يجعله قطعة استثمارية ثقيلة الوزن والقيمة، تصل لآلاف الدولارات.
* فرض الواقع الاقتصادي بدائل؛ فظهرت النماذج المطلية أو ما يُعرف بـ”الذهب الصيني”، وأصبحت محال الصياغة توفر هذه العقود بنظام “الإيجار” في ليلة الزفاف، لتمكين العروس من التألق بالمظهر التقليدي دون تكبد كلفة الاقتناء الباهظة.

ذاكرة في مهب التغيير

تظل “دقن الخميني” شاهدة على تغير الأذواق؛ فبينما كانت العروس تكتفي بـ”الحقّة” والمبخر قديماً، أصبحت اليوم “الجدلة” والعقود الثقيلة جزءاً من طقوس لا تكتمل إلا بها.

ورغم أن أصل التسمية ظل يتنقل شفهياً بين الأجيال كـ”نكتة” أو “وصف هندسي”، إلا أن هذا العقد يحمل في طياته قصة حرفة مهددة بالاندثار. إن محاولة توثيق هذه التفاصيل -كما فعلت د. المشلي في بحثها عن “حرفة الصياغة التقليدية”- هي محاولة لإنقاذ جزء من الهوية السودانية من الضياع في ظل حداثة متسارعة، قد تنسينا يوماً أن هذا “الدقن” ليس سوى قطعة ذهبية بديعة، تروي حكاية حب وتراث.