تعيش الساحة السودانية وغيرها من المناطق المشتعلة في العالم، مرحلة من التحديات الكبرى التي تكشف عن تراجع ملحوظ في القيم الإنسانية والدولية، وسط أزمات متصاعدة، يتضح أن المبادئ التي كانت ترسّخ لحماية حقوق الإنسان، السلام، والعدالة، بدأت تتهاوى أمام مصالح ضيقة، مما يثير تساؤلات كبيرة عن مدى إحساس المجتمع الدولي بواجباته الإنسانية، وغياب الإرادة السياسية لتحقيق الاستقرار.
الوضع في السودان
لطالما كانت السودان ساحة من الصراعات والانقسامات التي أطلقت شرارات موجات من النزوح واللجوء، وأدت إلى معاناة ملايين المدنيين، فبعد اتفاقات السلام التي بقيت حبراً على ورق، وتدخلات سياسية عابرة للأحزاب، تفاقمت الأزمة، واشتدت وتيرتها، حتى أصبحت البلاد ضحية لتغول النزاعات المسلحة، والفشل في توفير الحماية للمواطنين.
لقد شهدت الأعوام الأخيرة تدهوراً واضحاً في الوضع الإنساني، حيث تخلّت المنظمات الدولية عن دورها بفعالية، نتيجة التداخل بين المصالح السياسية، وغياب الإرادة الدولية للتدخل الحقيقي، مما أدى إلى زيادة معاناة السكان، خاصة النساء والأطفال، الذين يعيشون في ظروف كارثية من نقص الغذاء، والدواء، والخدمات الأساسية.
تراجع القيم العالمية
على الرغم من جهود المنظمات الدولية، لا تزال القيم التي قامت عليها الالتزامات الإنسانية والأخلاقية في أوجه تراجع واضح. فقد أظهرت الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمات حقوق الإنسان، عجزها عن فرض احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين، نتيجة للتداخلات السياسية والمصالح الوطنية.
وفي التقارير الأخيرة، أبدى مسؤولون وشخصيات حقوقية خيبة أمل من الأداء الضعيف للمجتمع الدولي، خاصة في التصدي للأزمات المستمرة، وتقديم الدعم الحقيقي للسكان المتضررين فالتجاهل بذلك، يؤكد أن المصالح الضيقة تفوق الالتزام الإنساني، ويهدد ببقاء الأزمات، بدلاً من حلول جدية، تضع حداً لمعاناة الملايين.
شهادات من الميدان
تشير تقارير ميدانية إلى أن المدنيين يعانون من صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، مع ارتفاع معدلات النزوح والنزاعات المسلحة، ونقص الدعم الدولي. أحد النازحين قال: “المنظمات تأتي وتغادر، ولا أحد يسمع صرخات أطفالنا، نحن بحاجة إلى حماية حقيقية، وليس مجرد تصريحات.”
وفي ظل غياب محفزات حقيقية للسلام، يظل المجتمع الدولي عاجزًا عن فرض إرادته، وهو ما ينعكس على فشل جهود إعادة إعمار السودان، وحمايته من الانهيار الكامل.
الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي
وفي تصريحات متعددة، عبر مسؤولون بالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، عن إحباطهم، مشيرين إلى أن مجتمعهما يعاني من تراجع في الالتزام بقيمه الأخلاقية والإنسانية. وأكدوا أن الثقة في قدرة هذه المؤسسات على فرض السلام وحماية الحقوق باتت غير كافية، خاصة أن مصالح الدول الكبرى تتداخل أحيانًا مع مهامها الإنسانية.
المنظمات الإنسانية
أمام تحديات التمويل، وصعوبة الوصول للمناطق المتضررة، وانعدام ثقة السكان بالمساعدات الدولية، تتعثر جهود المنظمات الإنسانية في تقديم الدعم الكافي فبرغم من تلك التحديات، تواصل تلك المنظمات عملها، رغم التضييقات، لكن طموحاتها تبقى محدودة نتيجة عدم وجود إرادة حقيقية لتغيير الصورة النمطية للمساعدات الإنسانية.
ختام:
يظل السؤال المدوي: هل ستتراجع القيم العالمية أمام المطامع السياسية والمصالح؟ أم ستعود الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لترسيخ المبادئ الأساسية التي قامت من أجلها، وفرض إرادتها على الكيانات التي تنخر في جسم الإنسانية؟
المطلوب، الآن وأكثر من أي وقت مضى، اصطفاف دولي حقيقي يعيد للإنسان كرامته، ويعيد للأخلاق الدولية بريقها، قبل أن يتحول العالم إلى مليشيات ودويلات تتصارع على حساب أمن واستقرار الشعوب. فالسودان، والمنطقة، والعالم، جميعهم في حاجة ماسة إلى قيمي أخلاقية، وقرارات جريئة، تضع حداً للتراجع، وتعيد بناء الثقة في منظومة العدالة والسلام
