بدأ العد التنازلي لمهلة الستين يوماً التي حددتها إدارة الرئيس دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن برنامج إيران النووي، وسط أجواء من الغموض بعد إرجاء مفاوضات سويسرا وتأجيل زيارة نائب الرئيس “جاي دي فانس”. ورغم توقيع مذكرة تفاهم أنهت العمليات العسكرية التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران، يرى خبراء أن ترامب فقد “ورقة القوة” العسكرية بعد استخدامها، بينما خرجت إيران بموقف تفاوضي صلب نتيجة صمود نظامها وتحكمها بمضيق هرمز. المذكرة الحالية تركز على خفض التخصيب لكنها تغفل ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، مما يجعل من الستين يوماً مهلة “غير كافية” تقنياً وسياسياً.


 

يمكن تفكيك المشهد الحالي من خلال الأبعاد التالية:

1. معضلة “استنفاد القوة” (Leverage Paradox):
يرتكز التحليل على مفارقة سياسية مهمة؛ وهي أن القوة العسكرية عندما تُستخدم تفقد قدرتها كأداة للتهديد. يرى المحللون أن إدارة ترامب، بتنفيذها ضربات عسكرية واسعة في يونيو 2025، قد استنفدت خيار “الخيار العسكري المطروح على الطاولة”. إيران، التي صمدت سياسياً وميدانياً، باتت تعتبر مجرد “البقاء” انتصاراً، مما يمنح مفاوضيها قدرة أكبر على المناورة، حيث لم يعد لدى واشنطن تهديدٌ “أعلى سقفاً” لتمارسه، خاصة مع استعادة طهران نفوذها في مضيق هرمز.

2. صراع “الزمن السياسي” مقابل “التعقيد التقني”:
تحديد مهلة 60 يوماً يعكس رغبة ترامب في تحقيق “نصر دبلوماسي سريع” يسوقه لجمهوره، لكنه يصطدم بالواقع التقني المرير. فالملف النووي ليس مجرد أرقام لأجهزة طرد مركزي، بل هو منظومة تفتيش ورقابة معقدة. المقارنة التي عقدتها “وندي شيرمان” بين هذه المهلة وبين الـ 18 شهراً التي استغرقها اتفاق 2015، تشير إلى وجود فجوة عميقة بين طموح الإدارة الأمريكية والواقع العملي، مما يجعل المهلة تبدو كـ”قنبلة زمنية” قد تؤدي لفشل المفاوضات بدلاً من إنجاحها.

3. استراتيجية “الاتفاق المنقوص” والملفات المسكوت عنها:
تظهر مذكرة التفاهم الحالية كوثيقة “تبريد صراع” أكثر منها “حل جذري”. إغفال ملف الصواريخ الباليستية والفصائل المسلحة (البروكسي) يعد ثغرة استراتيجية قد يحولها المعارضون في واشنطن إلى سلاح سياسي ضد ترامب. إيران نجحت، حسب المعطيات، في حصر التفاوض في الإطار النووي (بصياغات مطاطة)، مما يعني أنها حافظت على أوراق ضغطها الأخرى دون مساس، وهو ما يفسر وصف الخبراء لترامب بأنه “لم يعد في موقع قوة”.

4. الدبلوماسية الإلكترونية والغموض السويسري:
توقيع المذكرة “عن بُعد” وتأجيل لقاء سويسرا يعكس حالة من عدم الثقة البينية وتخبطاً في البروتوكول الدبلوماسي. هذا “التفاوض من مسافة” يوحي بأن الأطراف لا تزال تخشى الجلوس المباشر قبل ضمان مكاسب ملموسة. انسحاب “جاي دي فانس” المؤقت من المشهد السويسري قد يكون مناورة لرفع سقف التوقعات أو نتيجة لضغوط داخلية تطالب بتعديل شروط التفاوض قبل البدء الرسمي.


إدارة ترامب تخوض سباقاً مع الزمن في بيئة جيوسياسية معقدة. فبينما تحاول واشنطن تصوير “مذكرة التفاهم” كنجاح لاستراتيجية الضغط الأقصى، يرى الواقع الميداني أن طهران استوعبت الصدمة العسكرية وبدأت بفرض شروط “التعايش” لا “الاستسلام”، مما يجعل من الستين يوماً القادمة اختباراً لشخصية ترامب التفاوضية أكثر من كونها اختباراً للقدرات الإيرانية.