شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً ميدانياً خطيراً بعد يوم واحد فقط من سريان اتفاق وقف إطلاق النار، حيث سقط خمسة ضحايا في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة “عربصاليم” جنوبي البلاد. هذا الخرق الميداني يتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة في سويسرا، حيث يتوجه المبعوث الأمريكي “ستيف ويتكوف” ووزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” لإجراء محادثات حاسمة. تضع هذه التطورات الاتفاق الهش أمام اختبار حقيقي، وسط مخاوف من انهيار التهدئة قبل ترسيخها.
يمكن قراءة هذا المشهد من خلال ثلاثة أبعاد أساسية تعكس تعقيدات المشهد اللبناني والإقليمي:
2.الميدان كأداة للضغط السياسي:
تكشف الغارة الإسرائيلية على “عربصاليم” أن “وقف إطلاق النار” لا يزال مجرد نص قانوني لم يترجم إلى واقع أمني مستقر. يبدو أن إسرائيل تحاول من خلال هذه الخروقات فرض قواعد اشتباك جديدة، مفادها أنها ستحتفظ بـ”حرية الحركة” العسكرية للرد على ما تعتبره تهديدات، حتى في ظل الاتفاق. هذا “الغموض العملياتي” يهدف إلى إبقاء الضغط على حزب الله وبيئته الحاضنة، واختبار حدود صبر الطرف الآخر وقدرة لجان المراقبة الدولية على التدخل.
2. المسار الدبلوماسي (واشنطن – طهران):
يعد اللقاء المرتقب في سويسرا بين المبعوث الأمريكي والوزير الإيراني تحولاً نوعياً؛ فالحرب في لبنان لم تكن يوماً مجرد صراع محلي، بل هي جزء من “شطرنج إقليمي” كبير. توجه “ويتكوف” و”عراقجي” إلى سويسرا يشير إلى أن الطرفين الأصيلين في النزاع (الولايات المتحدة وإيران) يدركان أن استقرار لبنان يتطلب تفاهماً “فوق-إقليمي”. إن نجاح الاتفاق في لبنان قد يكون مدخلاً لترتيبات أوسع تشمل ملفات أخرى، مما يجعل من سويسرا منصة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من التهدئة الهشة.
**3. هشاشة الاتفاق وتحدي الاستمرارية:**
إن وقوع ضحايا بعد يوم واحد من الاتفاق يضع المصداقية الدولية، وخاصة الوساطة الأمريكية-الفرنسية، على المحك. التحدي الآن يكمن في “آلية التنفيذ”؛ فبدون وجود آلية رقابة صارمة وفورية على الأرض، ستظل الغارات والخروقات المتبادلة بمثابة “ثقوب” في جسد الاتفاق قد تؤدي إلى تمزقه بالكامل. المشهد الحالي يوحي بأننا أمام مرحلة “عض أصابع”، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه الميدانية دون الانزلاق إلى حرب شاملة مجدداً، لكن دماء “عربصاليم” تذكر الجميع بأن المسافة بين التهدئة والانفجار لا تزال ضئيلة جداً.
الخلاصة:
نحن أمام سباق محتدم بين “صوت الطائرات” في جنوب لبنان و”صوت الدبلوماسية” في سويسرا. نجاح المحادثات الدبلوماسية هو الوحيد الكفيل بلجم التدهور الميداني، وإلا فإن اتفاق وقف إطلاق النار سيتحول إلى مجرد “هدنة محارب” قصيرة الأمد.
