يؤكد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تمسك بلاده بالبقاء العسكري في جنوب لبنان ضمن ما يسميه “المنطقة الأمنية”، رافضاً فكرة الانسحاب في الوقت الراهن رغم توقيع مذكرة تفاهم (أميركية-إيرانية) تهدف لإنهاء الحرب. وتخوض تل أبيب حالياً “مفاوضات عنيدة” مع واشنطن لضمان استمرار وجود قواتها جنوب نهر الليطاني بعمق يصل إلى 10 كيلومترات، في خطوة تهدف حسب زعمها إلى “إزالة التهديدات” وتأمين سكان الشمال، وهو ما يتعارض مع البنود التي تؤكد على سيادة ووحدة الأراضي اللبنانية.
—
### **التحليل الإنشائي:**
يعكس المشهد السياسي والميداني الحالي في جنوب لبنان حالة من التناقض الصارخ بين المسارات الدبلوماسية الدولية والواقع المفروض بقوة السلاح. فبينما تتجه القوى الإقليمية والدولية (واشنطن وطهران) نحو صياغة تفاهمات كبرى تهدف إلى تهدئة النزاع، تصر حكومة نتنياهو على انتهاج سياسة “الأمر الواقع” من خلال محاولة شرعنة وجود عسكري دائم داخل الحدود اللبنانية.
إن إصرار نتنياهو على عدم الانسحاب وربط ذلك بـ “الاحتياجات الأمنية” يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار حقيقي لمصداقية مذكرات التفاهم التي ترعاها. هذا التوجه الإسرائيلي لا يمثل فقط خرقاً لمبدأ سيادة الدول، بل يعيد الذاكرة السياسية إلى حقبة “الحزام الأمني” ما قبل عام 2000، وهي استراتيجية أثبتت تاريخياً أنها تؤدي إلى استنزاف طويل الأمد وتؤجج الصراع بدلاً من إخماده.
من الناحية التحليلية، يبدو أن إسرائيل تحاول استغلال “المنطقة الرمادية” في المواقف الدولية لتحويل تواجدها المؤقت إلى واقع جيوسياسي مستقر، مراهنةً على قدرتها في الضغط على واشنطن لانتزاع استثناءات أمنية خارج إطار الاتفاقات المعلنة. إن استمرار الغارات والعمليات العسكرية “خارج المنطقة الأمنية” كما أعلن الجيش الإسرائيلي، يشير إلى أن المواجهة لم تنتهِ بعد، بل دخلت مرحلة “التفاوض تحت النار”، حيث تصبح الجغرافيا اللبنانية هي الثمن الذي يُدفع في صراع الإرادات بين القوى الكبرى وحسابات الأمن الإسرائيلية المتوسعة.٦
