د.طارق عشيري
عندما عدت الي الخرطوم قبل اربعه اشهر كانت خاليه من السكان كأنك في مدينة غابت عنها الحياة عشرات السنين لكن ماكان يبعث الامل وجود الشرطة فيها فكان الاطمئنان في النفس ان هناك حماية للمواطن وان الدولة تقوم بواجبها في الحمايه وقد انتهي زمن الاضطراب والقلق وتسعه طويلة التي بثت الرعب في وقت الفوضي وانفلات الامن ، لكن ماحدث في (جبره) و(حي النصر شرق النيل) من دخول لصوص يحملون اسلحه فتاكه يعيدنا الي المربع الاول حيث انعدام ( القانون الرادع) في مواجهة هؤلاء اللصوص واجب الدولة اليوم قبل الغدحتي يشعر المواطن الذي عاد ان هناك امن لاسرته وحتي لاتكثر الاقاويل والاشاعات التي حتما ستؤثر علي العودة السريعة لسكان الخرطوم لن تترتفع الدول بالشعارات، ولا بالخطب الرنانة… بل (تُقاس هيبتها بقدرتها على فرض الأمن)، و(حماية مواطنيها)، و(صون كرامتهم). فالدولة التي (يعم فيها الخوف)، وتغيب فيها (الطمأنينة)، تفقد شيئاً فشيئاً( معناها) قبل أن تفقد (شكلها).
السودان، بعد ما مرّ به من (حرب وانفلات)، صار نموذجاً واضحاً لهذه الحقيقة. حين يتراجع الأمن، لا تتوقف الخسائر عند الأرواح والممتلكات فقط، بل تمتد لتصيب روح المجتمع، وتكسر (الثقة بين المواطن والدولة). في لحظة (الانفلات)، يشعر المواطن أنه (وحيد)، بلا سند، وأن الدولة التي يُفترض أن تحميه أصبحت غائبة أو عاجزة. وهنا تحديداً تبدأ هيبة الدولة في التآكل.
لكن الهيبة الحقيقية ليست في استعراض القوة، ولا في تضخيم الأجهزة الأمنية، بل في عدالة هذه القوة. فالأمن الذي يقوم على القمع قد يفرض الصمت، لكنه لا يبني استقراراً، ولا يخلق احتراماً. أما الأمن القائم على سيادة القانون، فهو الذي يزرع الطمأنينة، ويمنح الدولة مشروعيتها الحقيقية.
هيبة الدولة تبدأ من الشارع من مواطن يمشي مطمئن، لا يخاف من سلاح منفلت ولصوص تنتهك خصوصيتة ، ولا من ظلمٍ بلا حساب وتكبر حين يرى الناس أن القانون يُطبق على الجميع، دون استثناء أو محاباة.
وتترسخ عندما تصبح المؤسسات الأمنية مؤسسات وطنية محترفة، تحمي ولا تهدد، وتخدم ولا تستغل.
الدولة التي تملك أجهزة أمنية قوية لكنها( فاقدة للثقة الشعبية)، حتي تقف الدولة على( حافة السقوط). لأن (القوة بلا شرعية لا تدوم)، والهيبة التي تُفرض بالقوة وحدها، سرعان ما تتلاشى أمام أول اختبار حقيقي.
في السودان اليوم، التحدي الأكبر ليس فقط استعادة الأمن، بل إعادة تعريفه. نحتاج إلى الانتقال من مفهوم “أمن السلطة” إلى “أمن الوطن”، ومن( حماية النظام) إلى (حماية الإنسان) فالمواطن هو أساس الدولة، وإذا شعر بالأمان، أصبح هو نفسه خط الدفاع الأول عنها.
إعادة بناء الهيبة تتطلب مشروعاً وطنياً حقيقياً:
إصلاحاً للمؤسسات الأمنية، وترسيخاً لسيادة القانون، ومحاسبةً لكل من أجرم في حق الوطن، دون انتقائية. كما تتطلب خطاباً إعلامياً مسؤولاً، يعزز الثقة، ولا يغذي الخوف والانقسام.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
هيبة الدولة لا تُشترى، ولا تُفرض بالقوة وحدها… بل تُبنى بالعدل، وتُحفظ بالأمن، وتكبر بثقة شعبها.
فالدولة التي تحرس شعبها بعدالة، يجد شعبها نفسه مستعداً لأن يحرسها بإخلاص… وهنا فقط تولد الهيبة التي لا تهتز.وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل