حامد مدلل
ما إن وطئت قدمي أرض الكنانة واستقريت في قاهرة المعز، وما مر أسبوع إلا وزارني فرد أو جماعة من معارفي بالسودان ولا سيما أهلي من برام الحبيبة. آخر الزيارات زيارة الدكتور أحمد جاه الدين نائب رئيس هيئة شورى قبيلة الهبانية ومعه أمين مال الشورى محمد آدم مونس، تلتها زيارة أخي الخواض إبراهيم عباس الرئيس الأسبق للاتحاد العام للمعوقين حركيا الذي تسلم مني زمام قيادة الاتحاد. وكل الزوار غرضهم الاطمئنان على صحتي وسائر أحوالي.
لكن زيارة اليوم الجمعة زيارة من نوع خاص وفريدة لمفاجأتها ومن من أتت. زارني أخي و(نسيبي) البروفيسور المهندس عمر حامد أحمد وزوجته ابنة عمي منى علي الغالي، وزاد الزيارة ألقا وبهاء الأستاذ جمال الغالي أحمد الذي عودني بالزيارة كل أسبوع متفقدا أحوالي، له التحية والتجلي عبر هذه الخاطرة.
الزيارة أضفت على شقتي سرورا وسعادة منقطعتي النظير حيث أمضينا وقتا ونحن نجتر ذكريات الماضي ونقف على الأطلال وننظر للفارق البون الشاسع بين السودان زمان والسودان اليوم، وقارنا بين أجيال زمان وأجيال اليوم وتباكينا على الماضي التليد وتأسينا على الحاضر البائس. والذي اكتشفته أن البروف هو باحث اجتماعي بامتياز رغم أنه مهندس جيولوجي ملم بتراث السودان ولا سيما تراث دارفور، حيث كنت أعتقد سابقا أنه متخصص في التعامل مع الأرض والرمال والصخور والغوص في باطن الأرض ليخرج لنا الماء والبترول، الماء التي تحيي الأرض بعد موتها وتشرب منها البهائم وبنو البشر وتسيل الوديان وتظهر لنا جنات من نخيل وعنب ونزرع ونحصد. كنت أظنه ذاك تخصصه، فضلا أن زوجته خريجة زراعة متخصصة في التربة قريبة من تخصص زوجها، لكني عرفت أنه متخصص في الجانب الاجتماعي.
وعندما جرنا الحديث إلى الكلكة اكتشفت أنه يعرفها حلة وسوق ويعرف أمكنة الحوت والصيد والرعي ويعرف أحياء برام وأسماء الأسر الكبيرة ويعرف كل نكات وأمثال الكلكة. عندما تتحدث معه كأنك تتحدث مع شخص ولد وتربى وترعرع في برام، وطلبت منه ألا يكون بخيلا ويطلق لقلمه العنان ويوفر له المداد والقرطاس ويمنحه متسعا من الوقت لينزل ما في الرأس إلى الكراس. قديما قالوا: الرأس ما كراس. مضى الزمن ولم نشعر به حتى قلنا يا ليت عداد الساعة يعود ويبدأ من جديد.
الزيارة تركت أثرا طيبا لدى أسرتي ولا سيما بناتي، لقد أعجبن بعمتهن بت الناظر وقلن لي: يا أبي زارتنا كثير من النساء ولم نرتح منهن كما ارتحنا من عمتنا. قلت لهن: ما سر الراحة؟ قلن: لها حديث شيق وجذاب وتعرف كيف تتونس. قلت لهن: هذه ابنة ناظر عموم الهبانية وخارجة من بيت حكمة ودراية وهي سليلة الناظر تاج الدين الغالي، إن لم تكن كذلك فكيف تكن؟ قلن لي: أبي نبادلها الزيارة. قلت: نعم لا مانع لدي.
ستظل هذه الزيارة محفورة محفوظة في الذاكرة ما دمت حيا. زيارة الأحباب تمحو الصدأ الذي طفا على سطح القلوب وتزيل الهم وتبعث السرور والطمأنينة، خاصة الزيارة المفاجأة وغير المتوقعة لها حلاوة ومذاق يختلف ويأتلف.
أخي القارئ لم لا أحتفي بزائري وهو يتمتع بصفتين: الأولى أنه يتصف بأدب جم وحسن الأخلاق يجعله منهجا لحياته يعامل به الناس من حوله، لا يفصل بين القريب والغريب كلهم عنده سواء. الصفة الثانية أنه عالم متواضع متخصص في علم الجيولوجيا، إنه خريج جامعة الخرطوم – قسم الجيولوجيا، وقد تخصص في مجال موارد المياه (السطحية والجوفية) بجامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا، حيث أمضى فيها ثلاث سنوات ونصف. كما واصل دراساته العليا في مجالات متخصصة وذات صلة بالمياه، من بينها قانون المياه (Water Law) بجامعة دندي في اسكتلندا.
كذلك تلقى دراسات وتدريبا متقدما في تطبيقات الجيوفيزياء الهندسية لاكتشاف مكامن المياه والبترول، وذلك بكل من جامعة بيرمنجهام في إنجلترا، والمعهد العالمي للجيوفيزياء التطبيقية بإيطاليا، إلى جانب مدرسة شيفرون (Chevron School) بمدينة هيوستن في ولاية تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية. وأنه ما زال رغم تقدم العمر مشاركا في بعض الأعمال الاستشارية في مجالي المياه والإصحاح البيئي، بالتعاون مع منظمة اليونيسف وبنك التنمية الأفريقي في السودان.
النسيب عين شمس
النسب حسب وللعارفين كنز
