لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد
الشهيد بإذن ربه
العميد الركن عبد الرحيم أحمد عبد الله شوقار، التقيته في المنطقة العسكرية الشرقية، قيادة اللواء ٣٤ مشاة أروما، وكان برتبة الملازم. تقرأ في ملامحه طموح شاب يحمل بين طياته همةً وعزيمةً، يتبعه الخير أينما توجه. كلما زرناه في محطة خارجية، وجدنا ما يسرنا من سلامة الإعداد العسكري العملياتي والإداري.
ثم ترجلنا من ركاب الجيش إلى فضاءات المراقبة والتعليق على الأحداث واجترار الذكريات، وتركنا أعنّة الخيل يسوسها الفرسان المتعاقبون، فما وهنت عواديهم ولا طاش رميهم. رَزِيمُ ضَبْحِها وحمحمةُ صدورها في المغارات تثير النقع في كل ربع من السودان، يستصرخ النصر، فلم تهدأ أبداً. كلما ترجل فارس وثب آخر على السرج، وكلما تحدر شهيد أنبتت رفاته جذوةً تشع في الصدور كالصواعق.
وهكذا قدر الجيش السوداني، ظلت رحاه تدور عبر عقود عمر الدولة المبتلاة، يتقلب وجهه في السماء حيث اتجاه التهديد ليكبته، وتسلل نزيف المؤامرة ليواسيه، ليسلم الوطن، وينعم أهله بالسلام، وتعمر فيه اعتيادية الحياة بطعم العزة وموفور الكرامة.
العميد شوقار، الذي استل نفسه كخيط الضياء من (الحصاحيصا) موطنه الصغير ومبتدأ منشئه، ليطوف في ليل العشيات الحوالك، يومض كبروق الخريف بين الخوف والطمع؛ يخيف الأعداء بقواصف الرعد وصواعق العاصفة، ويبعث الأمل في روافد السقيا ودفق الحياة للعطاش من الأناسي الكثيرين. مبهرٌ لافتٌ من بعيد، شديد الود والتواضع، عذبُ أنفاس العِشرة والجوار.
طاف كل ربوع الوطن في سلاسة كما تطوف خواطر المتحابين في الرؤى والأحلام. شبَّ في عتبات الشرق المترع بالبطولات، المتلفع بأثواب الجسارة وعبقريات المناورة، في أسفار عثمان دقنة، ذلك الملهم الفهيم. واستطال في الغربية، في الفاشر والجنينة، واستعار من سيرة السلطان تاج الدين بأسه وفرط إقدامه القَتّال في دروته، حيث لم يسمع تحذيرات الفيتوري التي جاءته من وراء غيب الأجيال وهو يردد:
يا فارس خذ حذرك
من طعنات طعينك
يا فارس خذ حذرك
ليتك لا تتحرك
وتحرك تاج الدين.
وشوقار تقمصته روح المقاومة في الفاشر، على عهد السلطان علي دينار، ضد الغزاة في ركب الإنجليز، فسطرت الحراب عصيانها على المدافع حتى ورود أحواض الردى الحمراء.
تدرج الشهيد في سُلّم القيادة إلى أن استوى برتبة العميد، وما يزال يجدّ في ذات الدرب في دأبٍ عجيب، وعيون عطاء من حجر المستحيل كأنها المعجزات. فاستقر به التكليف في أعالي النيل الأزرق، ومآثر السلطنة الزرقاء، ومقاعد العز (الككر)، عروش المكوكية، وشريان نهر ينبض بالحياة ويربط ما بين لابتي مملكة سنار حتى جبال قري شمالاً.
كان آخر عهد الشهيد قيادته لمنطقة البركة، وهي موقع متقدم في خطوط الدفاع الحدودية مع الحبشة، حيث ظلت هذه المواجهة ملتهبة الجراح منذ عهد الدولة المهدية وما بعد الاستقلال، لم تهدأ أبداً. وظلت الكرمك دولاً بين جولات الصراع وحروب الوكالة التي قادتها الحبشة قديماً وحديثاً، بإيواء العملاء وتوظيف المعارضين ليستنزفوا وطنهم. وقد حملت الكرمك وشوم الغزاة، وحفظت وجوه الخونة، وسجلت خطيئات الأدعياء، وكذلك ادخرت أسماء الفرسان وقوائم الشرف، وحفظت عينات من دمائهم في ذاكرتها التاريخية، كما تحتفظ الغواني بقوارير العطر المعتق الموشى بتوقيعات الأحباب.
العدوان الحبشي المحمول على حمير الجنجويد ودوابهم الصماء البكماء المطموسة، جمع مرتزقة الدنيا فأوعى؛ فالحبش، والنوير، والصوماليون، والتشاديون، وآخرون من ليبيا وأفريقيا الوسطى، نسلوا من كل حدب وصوب تجاه السودان، رجاء مغانم موعودة. لعن الله من حضّهم على هذا العدوان.
والفارس شوقار لم يقوَ أن يرجع لبكاء الشعب عليه، فآثر أن تسمو روحه من ذات الحيث، إذ صعدت فيه أرواح وغابت فيه شموس؛ ذات الحيز كأنه سُلَّم تعلوه الأرواح المصطفة: العقيد الركن الدسوقي محمود البشير، والعقيد الركن موسى إبراهيم، وزمرة تساق إلى رضوان ربها تزفها دعوات شعبها الوفي.
العميد الركن الشهيد بإذن ربه عبد الرحيم شوقار مضى إلى الله بأجله المكتوب، حيث لا يستقدم أحدٌ ولا يتأخر عنه، غير أنه ترك من مواريث البطولة ما يفي حاجة أجيال، وأنفق عمره لله والوطن، واستفرغ جهده، وبذل وسعه، نفسه التي بين جنبيه وفاءً لقسم الولاء والجندية.
فأي مشعلٍ هذا الذي تتقد منه يا فتى؟!
وأي همةٍ هذه التي أبت الرقاد، بينما دفء الأسرة يلحف النجوى والنداء؟!
وأي وفاءٍ للدين والوطن وأهله، بينما يُسوم القحاطة والجنجويد قيمه وأمنه وأعراض حرائره في أسواق النخاسة؟!
اللهم بحقك على عبادك الموحدين ألا تعذبهم،
وبجاه أفضل خلقك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم،
وبشهادة الصالحين من خلقك في السودان كله، ومن عرف الشهيد ومن لم يعرفه،
وبحق ممشاه راجلاً يضرب في الأرض ابتغاء إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة،
وبحق ما اعتراه من ظمأ ونصب ومخمصة في سبيلك،
أن تكرمه وسائر إخوته الشهداء الذين استجابوا من بعد ما أصابهم القرح.
أسكنه يا رب أعالي الجنات، وألحقه بالصالحين، واخلفه بخير في عقبه وأهله.
والله إنه لشقاء الشوق يا شوقار .
