مقال الصادق الرزيقي عن الخلاف بين موسى هلال وحميدتي يحاول أن يشرح صراعاً داخل منظومة السلاح والولاءات، لكنه في الحقيقة يفضح أهم شيء ثم يهرب منه. الكاتب يعترف بوضوح أن تكوين القوة التي صارت لاحقاً “الدعم السريع” بدأ عبر استنفار قبائل عربية وتسليحها وتنظيمها خارج قواعد الجيش والقانون، ثم يروي القصة وكأنها إجراء طبيعي أو ضرورة أمنية، دون أي نقد حقيقي للقرار نفسه، ودون أن يسميه باسمه: تحويل القبيلة إلى أداة قتال باسم الدولة.
المشكلة ليست في تفاصيل الرتب ولا في من بدأ جندياً ومن صار قائداً. المشكلة أن الدولة في 2003 واجهت أزمة سياسية وتمرداً مسلحاً بقرار اجتماعي قاتل: تعبئة مجموعات على أساس الانتماء، وتسليمها سلاحاً وغطاءً، ثم فتح الطريق لاقتصاد حرب ونفوذ وامتيازات. عندما تُسلم الدولة العنف لمجموعات قبلية، فأنت لا تطفئ النار، أنت تنقلها من ساحة السياسة إلى المجتمع نفسه، وتحوّل كل خلاف إلى صراع هوية، ثم تتفاجأ لاحقاً بأن السلاح صار أقوى من القانون.
الكاتب يلمّح لفكرة مريحة للبعض: تمرد قادته مجموعات من “قبائل أفريقية” ضد الدولة، فاستنفرت الدولة “قبائل عربية” للدفاع عنها. هذا بالضبط هو منطق الانفجار. لأنك عندما تلبس الدولة ثوب القبيلة، وتلبس السياسة ثوب العِرق، فأنت تؤسس لحرب طويلة لا تنتهي، وتكسر ما تبقى من فكرة المواطنة. التمرد لم يكن “عرقاً ضد عرق”، بل كان تعبيراً عن أزمة دولة وتهميش وانسداد وعدالة غائبة، لكن الدولة اختارت أن ترد بعسكرة المجتمع وتسليح شبكات الولاء، فكانت النتيجة معروفة: قتل واسع، انتهاكات، نزوح، وثأرات، وميليشيات تكبر حتى تبتلع الدولة.
الأخطر أن الكاتب يذكر الأجهزة والتنسيقات والأسماء، لكنه لا يضع المسؤولية السياسية حيث يجب أن تكون. من الذي قرر الاستنفار القبلي؟ من الذي سلّح؟ من الذي وفر الحماية والإفلات من العقاب؟ من الذي كافأ هذه الشبكات بدل تفكيكها؟ هنا أصل الحكاية. الدعم السريع لم يسقط من السماء. هو تطور منطقي لمسار بدأ يوم قررت الدولة أن تعالج مشكلة الحكم بالسلاح القبلي، ثم بنت مصالحها وتوازناتها على هذا السلاح.
لذلك، أي حديث عن خلاف موسى هلال وحميدتي اليوم لا يساوي شيئاً إذا تجاهل السؤال الأكبر: كيف تحولت الدولة من مؤسسة يفترض أن تحتكر العنف بالقانون، إلى جهة توزع العنف على المجتمع بالهوية؟ ما نراه اليوم ليس صراع أشخاص فقط، بل نتيجة مباشرة لذلك القرار القديم. ومن دون الاعتراف بهذا الأصل، ومن دون قطع الطريق على تسييس الهوية وتسليحها، ستظل الحرب تعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة وواجهات جديدة.
