🩺 داليا عثمان.. إرادة من حديد في رحاب “العنكبوت”

حوار خاص حول الصمود، العلم، وطموح طبيبة مختبرات في زمن الحرب

👤 بطاقة تعريفية

  • الضيفة: د. داليا عثمان التوم أحمد.

  • التخصص: مختبرات طبية.

  • الموطن: ولاية جنوب دارفور – محلية برام.

📝 تفاصيل الحوار

المحاور: دكتورة داليا عثمان، من أنتِ؟ وكيف تصفين لنا نشأتكِ وأسرتكِ؟

د. داليا عثمان: أنا داليا عثمان التوم أحمد، من مواليد ولاية جنوب دارفور (محلية برام)، طبيبة مختبرات طبية. نشأت في أسرة سودانية بسيطة مكونة من سبعة إخوان، أنا وابنة أخرى في وسطهم. أسرتي تؤمن بالعلم والعمل والصبر؛ لدي ثلاثة أشقاء يحملون درجات علمية عليا (اثنان دكتوراه وواحد ماجستير)، وأنا وأخي الأكبر نحمل البكالوريوس، واثنان في المرحلة الجامعية. كانت الأسرة ولا تزال المصدر الأول للقيم التي أحملها، من الالتزام والمسؤولية إلى الإيمان بأن التعليم هو أقوى سلاح. والحمد لله، إخواني نالوا الدكتوراه في عمر أقل من الثلاثين، وبمشيئة الله سنسير على دربهم، وهو العهد الذي عاهدنا به الوالد والوالدة، أطال الله أعمارهم.

  شخصيات أسرتكِ لعبت دوراً أساسياً كسند لكِ، كيف تصفين دعم الوالدين والإخوة؟

د. داليا عثمان: الوالدان كانا حجر الأساس في حياتي؛ دعمهما المادي والمعنوي وتسهيل سبل الحياة لنا وثقتهما بي منحتني القوة في أصعب اللحظات. إخوتي أيضاً كانوا شركاء الطريق؛ نتقاسم القلق والأمل ونتقوى ببعضنا وقت الانكسار. الأسرة بالنسبة لي لم تكن فقط مأوى، بل دافعاً للاستمرار. لهم كل الحب والاحترام، والحمد لله الذي رزقني بإخوة لا مثيل لهم، فهم السند الحقيقي ومصدر قوتي.

  بصفتكِ كنتِ في سنتكِ الجامعية الأخيرة حين اندلعت الحرب، كيف أثرت هذه الظروف الاستثنائية على مسيرتكِ الأكاديمية والشخصية في تلك اللحظة الحرجة؟

د. داليا عثمان: كانت مرحلة قاسية ومربكة، بين الخوف على النفس والعائلة والقلق على المستقبل الأكاديمي. شعرتُ أن كل شيء يمكن أن ينهار في أي لحظة، لكن في الوقت نفسه تولد داخلي إصرار غير مسبوق على ألا أسمح للحرب بسلب حلمي. أردت تحقيق حلم أبي وأمي وإخواني، وبفضل تمسكهم ببقائي في “بورتسودان” حتى أكمل السنة الأخيرة، أكملتها والحمد لله، وجلست لامتحان ممارسة المهن الطبية ونجحت، والآن أمارس عملي بصورة طبيعية.

 مع وجود عائلتكِ في دارفور -منطقة النزاع- كيف تمكنتِ من الحفاظ على تركيزكِ ودوافعكِ لإكمال تعليمكِ والجلوس لامتحان المهنة؟

د. داليا عثمان: لم يكن الأمر سهلاً؛ كنت أذاكر وقلبي مع أهلي في دارفور. عشتُ صراعاً يومياً بين الخوف والواجب، لكن ما ساعدني هو الإيمان بأن نجاحي سيكون مصدر قوة لي ولهم، وأن استسلامي لن يغير واقع الحرب، لكن صمودي قد يصنع فرقاً لأسرتي بتحقيق رغبتهم.

  ما هي أبرز التحديات التي واجهتكِ كطالبة مختبرات خلال فترة الحرب، وكيف تغلبتِ عليها؟

د. داليا عثمان: أكبر التحديات كانت توقف التدريب العملي، وصعوبة الوصول للمعامل، ونقص المواد، والضغط النفسي الهائل. تغلبت عليها بالاعتماد على الدراسة الذاتية، والتعلم عن بُعد قدر الإمكان، والتشبث بالهدف رغم كل شيء حتى أكملت متطلبات نيل البكالوريوس.

  بعد أن أصبحتِ طبيبة مختبر، كيف ترين دور مهنتكِ اليوم؟ وهل ستعودين إلى دارفور للعمل بها؟

د. داليا عثمان: أرى مهنتي اليوم رسالة إنسانية قبل أن تكون وظيفة؛ فالطب المخبري أساس التشخيص والعلاج، وفي ظروف الحرب يصبح أكثر أهمية. حلمي أن أساهم في خدمة بلدي، وأتمنى يوماً ما أن أعود إلى دارفور وأعمل هناك إذا توفرت الظروف الآمنة، والحمد لله على كل حال.

  ما الرسالة التي توجهينها للشباب السوداني والطلاب الذين يواجهون تحديات مماثلة؟

د. داليا عثمان: أقول لهم: الطريق صعب لكنكم أقوى مما تظنون. لا تسمحوا للظروف أن تسرق أحلامكم؛ تمسكوا بالعلم، بالصبر، وبأنفسكم. النجاح وسط الألم له طعم مختلف وقيمة أكبر.

 في ظل نقص الموارد، كيف تؤثر هذه الظروف على دقة الفحوصات؟ وما هي الحلول الإبداعية التي تبنيتموها؟

د. داليا عثمان: نقص الكواشف والأجهزة يؤثر بالتأكيد على جودة الفحوصات، لكننا نحاول تعويض ذلك بالتركيز الشديد على إجراءات الجودة، استخدام البدائل المتاحة، والعمل بروح الفريق لتقليل الأخطاء قدر الإمكان.

 ما هي أبرز اللحظات الإنسانية أو الملهمة التي مرت بكِ في خضم النزاع؟

د. داليا عثمان: مجرد استمرار العمل وتقديم خدمة صحيحة لمريض واحد في هذه الظروف يعد إنجازاً. كذلك إكمال الدراسة والتخرج وسط الحرب هو بحد ذاته قصة صمود أفتخر بها كثيراً.

  كيف تحافظين على سلامتكِ وسلامة زملائكِ في العمل ظل المخاطر الأمنية؟

د. داليا عثمان: نلتزم بإجراءات السلامة، وتقليل التنقل غير الضروري، والعمل بتنسيق جماعي مع وعي دائم بالبيئة المحيطة. السلامة أصبحت جزءاً من يومنا المهني.

  بعيداً عن المهنة، كيف تجدين متنفساً لتخفيف الضغوط والتوترات الشخصية؟

د. داليا عثمان: الحرب أثرت على الاستقرار النفسي بشكل كبير. متنفسی هو التحدث والتواصل مع عائلتي (أبي، أمي، إخواني، وأختي)، والدعاء، والحديث مع من أثق بهم، وأحياناً مجرد الصمت يكون علاجاً.

 لو أتيحت لكِ فرصة لقاء صناع القرار، ما هي رسالتكِ بخصوص الوضع الصحي في السودان؟

د. داليا عثمان: رسالتي بسيطة: السودان لا يحتاج شفقة، بل شراكة حقيقية ودعم مستدام. فالاستثمار في الصحة والتعليم هو إنقاذ للحياة وبناء للمستقبل، وليس مجرد استجابة طارئة.

خاتمة: “قصة دكتورة داليا هي نموذج للمثابرة السودانية التي لم تكسرها الحرب، بل صقلتها لتصبح منارة أمل في قطاع المختبرات الطبية.”