مقدمة:
في خضم حالة الفوضى العارمة التي تعصف بالسودان، وسط تداعيات صراع مسلح أدمى البلاد وهدد بتمزيق نسيجها الاجتماعي، تبرز رواية إماراتية رسمية تزعم أنها تقف في خندق مواجهة “الإسلام السياسي” في المنطقة وتحديداً في السودان، هذه الرواية تُقدم كمبرر رئيسي لتدخلات أبوظبي في الشأن السوداني، ملقيةً بظلالها على المشهد السياسي والأمني المتقلب، لكن تحقيقات “مركز العنكبوت” الاستقصائية تكشف عن تناقضات صارخة في هذا السرد مشيرةً إلى أن هذا الادعاء لا يعدو كونه “قميص عثمان” جديد يُرفع كغطاء أخلاقي لتمرير أجندات توسعية أعمق في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تستغل معاناة الشعب السوداني لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية على حساب استقراره وسيادته.
قميص عثمان: تكتيك قديم لأهداف معاصرة
إن مصطلح “قميص عثمان” يحمل دلالة تاريخية عميقة في الثقافة العربية، حيث يشير إلى استخدام قميص الخليفة عثمان بن عفان الملطخ بالدماء كذريعة لإثارة النعرات والانتقام، بعيداً عن جوهر العدالة أو الحقيقة في السياق السوداني الراهن، يبدو أن الإمارات تستعير هذا التكتيك مُعلنةً حرباً على “الإسلام السياسي” بينما تتجاهل تاريخاً من الدعم المباشر وغير المباشر لقوى ومكونات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا التيار، وتستثمر في صراعات إقليمية معقدة، هذا التناقض يدعو إلى تفكيك الرواية الرسمية وكشف الدوافع الحقيقية وراء التدخلات الإماراتية.
سجل متناقض: دعم الأمس وتدمير اليوم
تُظهر سجلات التاريخ القريب أن دولة الإمارات لم تكن أبداً خصماً ثابتاً لتيارات الإسلام السياسي في السودان بل على النقيض تماماً كانت أبوظبي في فترات طويلة من بين أبرز الداعمين لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، الذي حكم السودان بقبضة من حديد تحت راية “الإنقاذ” الإسلامية هذا الدعم الذي شمل استثمارات اقتصادية ضخمة وعلاقات دبلوماسية قوية، استمر حتى الرمق الأخير من عمر النظام في تجاهل تام للمخاوف الدولية والإقليمية بشأن ممارساته وتصنيف بعض قياداته دولياً.
المفارقة تكمن في أن هذا السجل لم يتغير جذرياً بعد سقوط البشير فبينما تُعلن الإمارات عداءها العلني للإسلاميين، تشير تقارير موثقة ومعلومات استخباراتية إلى استمرار دعمها لأطراف تُصنف ضمن “فلول الكيزان” (التنظيم الإسلامي الحاكم سابقاً)، المنخرطين الآن بشكل مباشر أو غير مباشر في صفوف المليشيات المسلحة التي تفتك بالسودان هذا الدعم سواء كان لوجستياً أو مالياً أو سياسياً، يساهم بشكل مباشر في تأجيج الصراع الراهن ويقوّض جهود إرساء الاستقرار، ويُعطي هذه الفلول المتهمة بفساد واسع وانتهاكات جسيمة، فرصة للعودة والتأثير على المشهد السياسي والأمني، مما يدحض مزاعم الإمارات بمكافحة الإسلام السياسي، ويكشف عن استراتيجية أكثر تعقيداً تستهدف تفكيك الدولة السودانية المركزية لتحقيق مكاسب ذاتية.
علاقات مشبوهة: الشباب الصومالية كدليل إضافي
لا يتوقف التناقض الإماراتي عند حدود السودان ففي سلوك يثير العديد من علامات الاستفهام حول مصداقية أجندتها المعلنة لمكافحة التطرف، تواصل الإمارات وفقاً لتقارير استقصائية وأمنية، علاقاتها مع حركات مصنفة دولياً كإرهابية أبرزها “حركة الشباب الصومالية” هذه العلاقة، التي قد تُفسرها الإمارات كقناة استخباراتية أو وسيلة لإدارة النفوذ في منطقة مضطربة، تكشف عن ازدواجية معايير خطيرة كيف يمكن لدولة تزعم محاربة الإسلام السياسي في بلد أن تتعامل وتنسق مع جماعة إرهابية ذات خلفية إسلامية متطرفة في بلد آخر؟ هذا التضارب الجلي يؤكد أن الهدف ليس محاربة أيديولوجية بقدر ما هو استغلال الفراغات الأمنية والسياسية لتحقيق أهداف جيوسياسية واستراتيجية إقليمية، حتى لو اقتضى الأمر التحالف مع من تدعي محاربتهم في سياقات أخرى.
أطماع توسعية: أبعد من مجرد أيديولوجيا
إن التدخل الإماراتي في السودان الذي يتستر وراء ذريعة مكافحة الإسلام السياسي، يُمكن فهمه بشكل أعمق عبر تحليل الأطماع التوسعية الكبرى لأبوظبي في منطقة حيوية كالبحر الأحمر والقرن الأفريقي. هذه الأطماع تشمل:
1. السيطرة الاقتصادية: استهداف الموانئ السودانية الحيوية (مثل بورتسودان) التي تمثل بوابة تجارية ولوجستية مهمة بالإضافة إلى السعي للسيطرة على موارد السودان الغنية كالمعادن (الذهب على وجه الخصوص) والأراضي الزراعية الخصبة، في سياق سياسات الأمن الغذائي والاقتصادي طويلة المدى لدولة الإمارات.
2. النفوذ الجيوسياسي: تعزيز الوجود والنفوذ الإماراتي في منطقة البحر الأحمر وهي ممر مائي استراتيجي للتجارة العالمية والطاقة ومواجهة نفوذ قوى إقليمية أخرى مثل تركيا وقطر وتأمين الممرات البحرية لصالح المصالح الإماراتية والغربية.
3. إعادة تشكيل الخرائط السياسية: استغلال حالة الضعف والفوضى لإنشاء تحالفات مع قوى محلية تخدم الأجندة الإماراتية، مما يضمن لها موطئ قدم دائم ومؤثر في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة.
تدمير وطن باسم الحرب على الأيديولوجيا
إن المحصلة النهائية لهذه التدخلات، سواء كانت بدوافع أيديولوجية مزعومة أو أطماع جيوسياسية مكشوفة، هي تدمير ممنهج للدولة السودانية وشعبها، فبينما يقاتل السودانيون من أجل مستقبلهم تُستغل بلادهم كساحة لتصفية حسابات إقليمية وتتحول أرضهم إلى نقطة انطلاق لأجندات توسعية النتائج كارثية: ملايين النازحين واللاجئين وآلاف القتلى والجرحى وبنية تحتية مدمرة واقتصاد ينهار.
نداء الشعب السوداني: دعونا وشأننا
الرسالة التي يوجهها الشعب السوداني، والذي يرزح تحت وطأة هذه الصراعات والتدخلات الخارجية واضحة وقاطعة: “لا نريد من الإمارات سوى أن تدعنا في حالنا وتتوقف عن تقتيل شعبنا وتدمير بلادنا إن حق السودانيين في تقرير مصيرهم وبناء دولتهم المستقرة المزدهرة لا يجب أن يكون رهينة لأطماع خارجية أو مبررات زائفة، إن إرادة الشعب السوداني في بناء مستقبل أفضل رغم كل التحديات ستظل أقوى من أي مؤامرة وستنجلي الحقيقة مهما طال “قميص عثمان” في التستر عليها.
دعوة للتحرك:
يدعو “مركز العنكبوت” المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى إمعان النظر في حقيقة التدخلات الخارجية في السودان وتجاوز الروايات السطحية والضغط على الأطراف الإقليمية لوقف أي دعم يغذي الصراع ويقوض الاستقرار، والعمل بجدية لدعم سيادة السودان وحقه في تقرير مصيره بعيداً عن ألاعيب “قمصان عثمان” الجديدة.
