✍️ د. أحمد محمد عثمان

ليس من اليسير، ولا من المنهجي، أن تُختزل تجربة تاريخية ممتدة قرنًا كاملًا في لحظة سياسية بعينها، أو في إخفاقات حكم قصيرة العمر، أو في مآلات قسرية صاغتها بيئات استبدادية وضغوط دولية خانقة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى قراءة أعمق، أكثر تركيبًا وإنصافًا، لمقال الدكتور محمد هاشم الحامدي _ إن صحت نسبته إليه _ المعنون: «جماعة الإخوان بعد قرن من الزمن: ماذا تقول الحصيلة؟ وهل حان وقت الحل؟»؛ قراءة لا تنطلق من منطق الدفاع التنظيمي، ولا من ردود الفعل العاطفية، بل من فقه السنن، ومقاصد الشريعة، وتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي.

أولًا: في منهج التقييم ومعيار الزمن

أثار الكاتب إشكالية “الزمن” بوصفه أداة حاسمة في الحكم على التجارب الدعوية والسياسية، وقارن بين حصيلة قرن من عمل الإخوان، وبين التجربة النبوية في 23 عامًا. وهذه المقارنة — مع ما تحمله من وجاهة خطابية — تفتقر إلى شرط القياس المنهجي؛ إذ لا تُقاس الدعوة المعصومة بالاجتهاد البشري، ولا يُقاس العمل في بيئة دولة-مدينة ناشئة، بعملٍ حركي في ظل دولة حديثة متغوّلة، وأنظمة أمنية شمولية، ونظام دولي لا يسمح أصلًا بظهور مشاريع استقلال حضاري خارج إرادته.

الزمن في ذاته ليس معيارًا حاسمًا، بل طبيعة السياق، وحدود الممكن السياسي، وموازين القوة، وسنن التدافع. وقد علّمنا القرآن أن بعض الرسالات لبثت قرونًا دون تمكين سياسي، ولم يكن ذلك دليل فشل، بل دليل ابتلاء وسنة تداول.

ثانيًا: بين إخفاق الحكم وفشل الفكرة

من أبرز نقاط مقال الحامدي القفز المباشر إلى مرحلة (2011–2013) واعتبارها دليلًا كافيًا على فشل الجماعة. غير أن هذه المرحلة، عند إخضاعها للتحليل الاستراتيجي، تكشف عن شيء مختلف تمامًا:

انتقال حركات دعوية-اجتماعية إلى الحكم دون امتلاك الدولة العميقة.

وراثة أنقاض أنظمة فاسدة دون أدوات إصلاح حقيقية.

مواجهة تحالف داخلي (بيروقراطي–أمني–إعلامي) وخارجي (إقليمي–دولي) لم يسمح أصلًا باستقرار التجربة أو اختبارها.

الإخفاق في الحكم لا يعني بالضرورة فشل الفكرة، كما أن نجاح الأنظمة السلطوية في البقاء لا يعني صواب مشروعها. فالعبرة ليست فقط بمن يحكم، بل بمن يُسمح له أن يحكم، وكيف، وضمن أي قيود.

ثالثًا: في الأثر المجتمعي والدعوي… ما لا يُقاس بالسلطة

يُحسب للكاتب طرحه سؤال “الأثر الحقيقي”، ومقارنته بين تأثير الإخوان وتأثير شخصيات دعوية وفكرية كالشعراوي ومصطفى محمود. غير أن هذا الطرح يغفل طبيعة الأدوار المختلفة؛ فالدعاة الأفراد يخاطبون الوجدان والوعي، بينما الحركات الإسلامية — ومنها الإخوان — اشتغلت على بناء الإنسان، وتنظيم المجتمع، وإحياء العمل العام، وتحرير مفهوم التدين من الفردانية السلبية.

ولا يمكن إنكار أن الفكر الحركي الإسلامي:

أسهم في إعادة الاعتبار للهوية الإسلامية في المجال العام.

واجه مشاريع التغريب القسري.

رسّخ قيم العمل الجماعي، والتكافل، والالتزام الأخلاقي.

كان في طليعة مناصري قضايا الأمة المركزية، وعلى رأسها فلسطين والقدس.

هذه آثار لا تُقاس بعدد سنوات الحكم، بل بعمق التحول الثقافي والاجتماعي.

رابعًا: التجربة السودانية… خصوصية السياق واختلاف النتائج

التجربة السودانية لا يصح اختزالها في بعدها السياسي فقط. نعم، شهدت إخفاقات جسيمة، وصراعات داخلية، وانحرافات في الممارسة السلطوية، لكن من غير المنصف تجاهل أثر الحركة الإسلامية السودانية في:

تعميق التدين الشعبي.

إعادة الاعتبار للشريعة في الوجدان العام.

مقاومة العلمنة القسرية.

إنتاج خطاب تجديدي في قضايا الفكر والسياسة والفقه.

وهي تجربة تختلف جذريًا عن تجارب الربيع العربي من حيث السياق، والعمق المجتمعي، والتاريخ التراكمي، ولا يجوز تسويتها بها حكمًا واحدًا.

خامسًا: في دعوة “الحل” ومآلاتها الخطِرة

دعوة حلّ جماعة الإخوان — مهما حسنت نيات أصحابها — تثير إشكالات عميقة:

هل يؤدي الحل إلى إنهاء الفكرة أم إلى تفريخ أشكال أكثر تطرفًا؟

هل يفتح المجال لإصلاح الخطاب الإسلامي أم يترك الساحة للفراغ والغلو؟

هل يحمي الشباب أم يدفعهم إلى اليأس، أو إلى تيارات أكثر راديكالية؟

فقه المآلات — وهو من صميم المقاصد — يقتضي النظر إلى ما بعد القرار، لا الاكتفاء بتشخيص اللحظة الراهنة. وتجارب التاريخ القريب تؤكد أن تفكيك الحركات الوسطية غالبًا ما يُنتج حركات أشد حدّة، لا أكثر اعتدالًا.

سادسًا: المطلوب… مراجعة شاملة لا قطيعة وجودية

كان الأَولى — بكاتبنا الكبير ، الدكتور محمد هاشم الحامدي —  حفظه الله أن يدعو إلى:

مراجعات فكرية عميقة.

تجديد أدوات الخطاب السياسي والدعوي.

إعادة تعريف العلاقة بين الدعوة والتنظيم والدولة.

الانتقال من منطق “الجماعة” إلى منطق “التيار المجتمعي الواسع”.

إعمال فقه المقاصد، والموازنات، وفقه الواقع، وفن الممكن.

فالإصلاح لا يكون بإلغاء الفاعلين التاريخيين، بل بإعادة توجيههم، وضبط مساراتهم، وفتح أفق الاجتهاد أمامهم.

خاتمة: بين العدل والواقعية

الإخوان المسلمون — كما الحركات الإسلامية عمومًا — ليسوا شرًا محضًا، ولا خلاصًا مطلقًا. هم اجتهاد بشري، أصاب وأخطأ، ونجح وأخفق، وتأثر بسياقات قاهرة لا يجوز تجاهلها. والعدل — الذي هو مقصد شرعي أصيل — يفرض أن نُقوّم التجربة دون شيطنة، وأن ننتقد دون تصفية، وأن نُصلح دون أن نهدم ما تبقى من رصيد الاعتدال في الأمة.

إن لحظة الأمة اليوم لا تحتمل قرارات انفعالية كبرى، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة المراجعة، وسعة الأفق، وحكمة الجمع بين المبادئ والواقع. وفي هذا الإطار، يبقى الحوار النقدي المسؤول — لا الدعوات الإقصائية — هو الطريق الأقوم، والأقرب إلى روح الشريعة وسنن التاريخ.

        والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.