قال رئيس حزب المؤتمر السوداني وقيادي صمود عمر الدقير إن مقال مني أركو مناوي حول “الهدنة الإنسانية” احتوى على التباسات سياسية وتاريخية، مؤكداً أن الهدنة جاءت ضرورة وطنية لإنقاذ المدنيين وليست خطة لتقسيم البلاد. أوضح الدقير أن مقترح الهدنة تسرّب مدته قبل أحداث الفاشر وفق بيان الرباعية، وأنها تستهدف وضعاً إنسانياً شاملاً في كل السودان. ورأى أن قبولها مبكراً كان سيخفف من معاناة المدنيين، وانتقد غياب الشفافية في المفاوضات ودعا الأطراف المتخذة للقرار لطرح الحقائق. شدد أيضاً على أن الهدنة لا تمنح شرعية لأي طرف وأن الحل الشامل لا يتحقق إلا عبر عملية سياسية سودانية ذاتية، محذراً من أن استمرار الحرب هو الخطر الحقيقي على وحدة البلاد.

🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷🕷

يتقاطع خطاب عمر الدقير وموقفه من الهدنة مع محورين أساسيين في إدارة الأزمات السياسية والإنسانية: أولوية حماية المدنيين وشرعية العمليات السياسية الداخلية. الدقير يعيد تأطير الهدنة كاستجابة إنسانية مؤقتة لا كبديل عن الحل السياسي، فيما يرد على قراءة مناوي التي فسّرتها — بحسبه — على نحو يحمل تباسات سياسية وتاريخية. هذا التباين يلقي ضوءاً على كيفية استخدام مصطلحات مثل “هدنة” و“مفاوضات” في بيئات نزاعية تتداخل فيها المصالح العسكرية والجهات الدولية والمحلية.

الهدنة كأداة إنسانية وسياسية
الهدنة، من منظور القانون الإنساني الدولي والممارسات الجيوسياسية، أداة لتخفيف معاناة السكان وتأمين تهيئة ظروف التفاوض. نجاحها يعتمد على نية الأطراف، آليات الرقابة، وضمانات التنفيذ. تأكيد الدقير على أن الهدنة لا تمنح شرعية لأي طرف يستعيد حجته القانونية والسياسية: الأنشطة الإنسانية المؤقتة لا تغني عن عملية شرعية وسياسية شاملة تُبنى داخلياً. بهذا الإطار، يبدو موقفه محاولة لتحقيق توازن بين قبول خطوات إنسانية فورية وعدم التفريط بالمساءلة السياسية والمستقبلية للسلطة.

البعدين الوطني والدولي للمبادرة
يشدد الدقير على أن “الخارج لا يمكن أن يكون بديلاً للمسؤولية الوطنية”. هذه النقطة تعكس حساسية السيادة الوطنية في السودان؛ فالمبادرات الدولية قد تقدم حلولاً طارئة لكنها تواجه رفضاً داخلياً إذا حمّلت شعوراً بالإملاء أو بتجزئة القرار. بالتالي، موقفه يطالب بآليات تفاوض سودانية تقودها مجتمعات ومؤسسات وطنية مع إشراف دولي محدود ومقبول. في المقابل، القبول بدور طرف خارجي في تسهيل أو ضمان التنفيذ قد يكون عملياً، لكنه يتطلب توافقاً وطنياً واضحاً وشفافية في التواصل مع الجمهور، وهو بالضبط ما انتقده الدقير من غياب الشفافية.

قضية الشفافية والثقة في المفاوضات
انتقاد الدقير لغياب الشفافية يعكس أزمة ثقة مركزية بين الفاعلين: عندما تُحاط المفاوضات بسرية أو تُحجب المعلومات عن الجمهور، يتزايد الشك وتضعف أي اتفاقات لاحقة. دعوته إلى أن من هم في دائرة القرار — بمن فيهم مناوي — مسؤولون عن إطلاع الرأي العام تُعيد تأكيد مبدأ الشرعية الأخلاقية والسياسية لاتفاقات نهاية النزاع. الشفافية هنا ليست ترفاً بل شرط للاستقرار المستقبلي ولإشراك المجتمع المدني في عمليات المصالحة وإعادة البناء.

التقلبات الميدانية وتأثيرها على المواقف
ذكر الدقير أن مواقف فصائل مثل الدعم السريع تقلبت تبعاً للظروف الميدانية يشير إلى ديناميكية طبيعية في النزاعات المسلحة حيث تتبدل الحسابات الاستراتيجية تبعاً لموازين القوى. هذا يُبرز أهمية وجود آليات مرنة للتفاوض يمكنها الاستجابة لتبدلات الساحة الميدانية، لكن مع شروط حماية مدنية واضحة وآليات رصد وفرض التزامات.

النتائج الممكنة ومسارات التوصية
1) اعتبار الهدنة كخطوة إنسانية مؤقتة مع اشتراط آليات مراقبة دولية ومستقلة لضمان احترامها وحماية المدنيين. 
2) إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تفضي إلى حلول ديمقراطية ومستدامة، مع إشراك موسع لممثلي المجتمع المدني والأقاليم. 
3) تعزيز الشفافية وإلزام من في موقع القرار بإطلاع الجمهور على مستجدات المفاوضات لضمان شرعية أي اتفاقيات مستقبلية. 
4) إدراك أن استمرار الحرب هو الخطر الأكبر على وحدة السودان، ما يلزم تكثيف المساعي للتقارب السياسي والحد من التصعيد العسكري.

خاتمة
موقف الدقير يعبر عن رؤية تسعى للموازنة بين الإغاثة العاجلة والحفاظ على سيادة ومسؤولية العملية السياسية الداخلية. النقاش مع مناوي يكشف تناقضات أوسع في فهم دور الهدنة والعوامل التي تجعلها نافعة أو مشككة. الاختبار الحقيقي لأي هدنة يكمن في آليات تنفيذها، الشفافية التي تحيط بها، وقدرة الأطراف السودانية على تحويل توقف مؤقت للقتال إلى مسار تفاوضي واضح يقود إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة.