د.طارق عشيري

وجودي بالخرطوم خلال الاشهر الماضية شعرت بالذين لم يغادروا الخرطوم خلال الحرب يحاتجون الي تاهيل نفسي حيث لم تكن الحرب التي اجتاحت الخرطوم مجرّد مواجهة (عسكرية أو صراع على الأرض)، (بل كانت زلزالاً نفسياً ضرب الإنسان في عمقه)،( وترك آثاراً لا تُرى بالعين المجرّدة)، (لكنها أشد فتكاً من الدمار المادي).( فمواطنو الخرطوم اليوم لا يحتاجون فقط إلى إعادة إعمار البيوت والطرق)، (بل يحتاجون قبل ذلك إلى تأهيلٍ نفسي شامل) يعيد إليهم الإحساس بالأمان والقدرة على الحياة من جديد.
لقد عاشت( الخرطوم تجربة قاسية)؛ خوفٌ يومي، قصف، نزوح، فقدان أحبة، انقطاع للخدمات، وانهيار لمنظومة الحياة المعتادة. هذه التجربة خلّفت ما يمكن وصفه (بـ الصدمة الجماعية)، حيث (أصبح القلق رفيق الناس)، (والاكتئاب ضيفاً ثقيلاً في البيوت)،( والغضب المكبوت سلوكاً ظاهراً في الشارع).
(الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً)؛ كثيرٌ منهم شهد مشاهد لا ينبغي لطفل أن يراها، فكبر قبل أوانه، (وحمل في ذاكرته صوراً سترافقه) إن لم تُعالج مبكراً. (أما الشباب، فقد تآكلت أحلامهم بين نزوح وبطالة وخوف من المستقبل)، بينما تعاني النساء (من أعباء نفسية مضاعفة نتيجة الفقد والمسؤوليات الثقيلة).
إن( تجاهل الجانب النفسي في مرحلة ما بعد الحرب يُعد خطأً استراتيجياً)، لأن الإنسان المنهك نفسياً لا يستطيع الإسهام في البناء، ولا المشاركة الإيجابية في المجتمع. (فالتأهيل النفسي ليس ترفاً)، بل( ضرورة وطنية وأحد أعمدة التعافي الحقيقي).
ويجب أن تقوم برامج التأهيل النفسي في الخرطوم على مقاربة مجتمعية شاملة، تبدأ من الأحياء، والمدارس، والمساجد، ومراكز الشباب، وتستفيد من المختصين، والدعاة، والمعلمين، ومنظمات المجتمع المدني. كما ينبغي كسر الوصمة المرتبطة بالعلاج النفسي،( وتوضيح أن الألم النفسي نتيجة طبيعية لما مرّ به الناس)، و(ليس ضعفاً أو نقصاً في الإيمان).
إن( إعادة إعمار الخرطوم) لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على الإسمنت والحديد، (فالأوطان تُبنى بالإنسان أولاً). و(عندما تُشفى النفوس، وتستعيد توازنها، يصبح البناء ممكناً)، ويعود الأمل، وتنهض المدينة من جديد.
فالخرطوم لن تعود عاصمةً للحياة، إلا إذا تعافى إنسانها…
والتأهيل النفسي هو الخطوة الأولى في طريق الإعمار الحقيقي.وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل