تشهد دارفور تصاعداً غير مسبوق في التوتر السياسي والعسكري، وذلك على خلفية تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها حاكم إقليم دارفور المعين من قبل الجيش السوداني، مني أركو مناوي، والتي دعا فيها المدنيين للدفاع عن أنفسهم ضد هجمات وشيكة لقوات الدعم السريع. يأتي ذلك بالتزامن مع انسحاب مفاجئ للقوات المشتركة التابعة لحركات الكفاح المسلح من مناطق الهجوم، مما فجر موجة انتقادات واسعة وطرح تساؤلات حول مسؤولية القيادات الأمنية.
> مناوي يرفض الإهانة ويدعو للدفاع عن الوطن:
ففي سلسلة منشورات عبر صفحته على فيسبوك، أكد مناوي رفضه القاطع لأي إهانة، مشدداً على أن الدفاع عن البلاد وحماية الأرض والتاريخ واجب وطني لا يمكن التنازل عنه. وأوضح أن الصمت عند انتهاك الوطن هو “خيانة”، وأن الوقوف دفاعاً عن النفس يمثل موقفاً مشرفاً، مؤكداً أن “الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة أصحابها”. وقد جاءت هذه التصريحات لترسم صورة للقيادة عازمة على التصدي لأي اعتداء.
> تحذيرات ودعوة صريحة للمدنيين:
وقبل ساعات من شن قوات الدعم السريع هجماتها، حذّر مناوي صراحةً من هجوم وشيك على محليات الطينة وكرنوي وأمبرو. وفي خطوة أثارت الكثير من الجدل، دعا مناوي السكان المحليين إلى “حماية أنفسهم وممتلكاتهم”، مشدداً على ضرورة التمسك بالحقوق والدفاع عن الوجود للحفاظ على الأرض والكرامة، في إشارة واضحة إلى ضرورة الاعتماد على الذات في مواجهة الخطر.
> الهجوم يقع.. والقوات المشتركة غائبة:
وعلى أرض الواقع، شنت قوات الدعم السريع هجوماً متزامناً على بلدتي الطينة وكرنوي في الساعات الأولى من صباح الأربعاء. المثير للدهشة، أن الهجوم لم يشهد أي اشتباكات تذكر مع القوة المشتركة التابعة لحركات الكفاح المسلح، والتي كانت قد انسحبت من المنطقة بشكل كامل قبل بدء الهجوم، تاركة البلدتين عرضة للقصف والسيطرة دون مقاومة منظمة.
> انتقادات لاذعة ودعوات للمساءلة:
وقد قوبلت تصريحات مناوي ودعواته للمدنيين بموجة استنكار واسعة من كيانات مدنية ونشطاء في دارفور. واعتبر المنتقدون أن هذه التصريحات تشكل “دعوة غير مسؤولة” لزج المدنيين في مواجهة غير متكافئة مع قوات الدعم السريع، التي تتمتع بتفوق كبير في العتاد والعدد. كما وجهت انتقادات حادة لقيادات الحركات المسلحة والقوات المشتركة، متسائلين عن الأسباب الحقيقية وراء انسحابها المفاجئ وترك المدنيين يواجهون مصيرهم بمفردهم في خضم هذه الهجمات.
ويأتي هذا التصعيد ليعمق من حجم التوتر السياسي والأمني في إقليم دارفور، ويكشف عن حجم التحديات التي تواجه القيادات المحلية في ظل غياب استراتيجية واضحة للدفاع عن المدنيين وحماية ممتلكاتهم.
—
تغريدات (أو بالأحرى منشورات فيسبوك) مني أركو مناوي تكشف عن عدة أبعاد سياسية وعسكرية ونفسية في سياق الصراع الدائر في دارفور:
1. خطاب التحدي ورفض الاستسلام:
* المضمون: يركز مناوي على مفاهيم “رفض الإهانة”، “الدفاع عن البلاد واجب”، “حماية الأرض والتاريخ مسؤولية”، “الصمت خيانة”، و”الكرامة تُنتزع”.
* التحليل: هذا الخطاب يهدف إلى بث روح المقاومة والشعور بالواجب الوطني، ومحاولة حشد الدعم المعنوي ضد قوات الدعم السريع. إنه خطاب موجه لرفع الروح المعنوية لأنصاره وربما للجيش السوداني، وتأكيد شرعية موقفه كحاكم للإقليم. يعكس هذا الخطاب موقفاً مبدئياً ضد التنازلات، ويحاول أن يضع نفسه في خانة المدافع عن الشرف والوطن.
2. تحذير وتعبئة شعبية (أو إخلاء مسؤولية):
* المضمون: تحذير صريح من هجوم وشيك على محليات معينة، ودعوة السكان لحماية أنفسهم وممتلكاتهم.
* التحليل:يمكن تفسير هذه الدعوة بطريقتين رئيسيتين:
– عوة صادقة للتأهب: قد تكون محاولة لإعلام السكان بالخطر الوشيك وتمكينهم من اتخاذ إجراءات دفاعية فردية أو جماعية قدر الإمكان في ظل غياب الدعم الكافي.
– إخلاء للمسؤولية أو مؤشر على ضعف القيادة: الأكثر إثارة للجدل هو أن هذه الدعوة جاءت من حاكم إقليمي مسؤول عن الأمن، بالتزامن مع انسحاب القوات التي يُفترض أنها تحت إمرته أو حليفته (القوات المشتركة). هذا يخلق تناقضاً كبيراً: كيف يطلب من المدنيين “حماية أنفسهم” بينما القوات النظامية أو التابعة للحركات المسلحة التي يمثلها تنسحب؟ هذا قد يُفسر بأنه محاولة لإلقاء عبء الدفاع على المدنيين، أو اعتراف ضمني بعدم قدرة القوات الرسمية على توفير الحماية، أو حتى محاولة لتجنب مواجهة مباشرة قد تكون مكلفة.
3. التناقض الصارخ ونتائجه:
* المضمون: مناوي يدعو للدفاع ويؤكد الواجب الوطني، بينما القوات المشتركة تنسحب من مناطق الهجوم.
* التحليل: هذا التناقض هو جوهر الانتقادات. يشير إلى:
– تصدع الجبهة الأمنية: عدم التنسيق أو عدم القدرة على السيطرة بين تصريحات القيادة والأفعال على الأرض، مما يوحي بوجود فجوة كبيرة في القيادة الأمنية والعسكرية في دارفور.
– تعريض المدنيين للخطر: الدعوة للمدنيين للدفاع عن أنفسهم في مواجهة قوة عسكرية متفوقة (الدعم السريع) تُعد غير مسؤولة وقد تؤدي إلى تفاقم الخسائر البشرية بين المدنيين.
– فقدان الثقة: هذا التناقض يقوض ثقة المدنيين في القيادات المحلية وقدرتها على حمايتهم، مما يزيد من الشعور باليأس والعجز.
– انتقاد الحركات المسلحة: يضع علامات استفهام حول دور القوات المشتركة وسبب انسحابها، وهل كانت هذه الانسحابات تكتيكية أم نتيجة لضغوط عسكرية أو اتفاقات خفية.
منشورات مناوي هي محاولة لإبراز موقف قوي ومبدئي في ظل صراع معقد، ولكن تزامنها مع انسحاب القوات المشتركة كشف عن ضعف كبير في البنية الأمنية وقدرة القيادة على فرض سيطرتها، مما وضع المدنيين في مواجهة مباشرة مع خطر كبير وأثار موجة استياء واسعة. يعكس هذا الوضع تفككاً خطيراً في دارفور وتحديات جسيمة أمام أي محاولة لاستعادة الاستقرار.
