في مقابلة بُثّت على شاشة التلفزيون القومي، قدّم د. أمجد فريد الطيب، مدير مركز فكرة للدراسات والتنمية، ومستشار رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك، قراءة سياسية معمّقة للحرب في السودان، واضعًا إياها في سياق حرب فُرضت على المجتمع السوداني، لا صراعًا اختاره الناس أو سعوا إليه. ومن داخل استديوهات تلفزيون السودان، استهل الطيب حديثه بتحية مطوّلة ومؤثرة لمنتسبي الإذاعة والتلفزيون، واصفًا إياهم بـ«الأبطال المجهولين» الذين ثبتوا في الساعات الأولى للحرب، في 15 أبريل، ورفضوا بث البيان الأول لانقلاب مليشيا الدعم السريع، رغم اقتحام المليشيا لمجمّع التلفزيون ومحاولتها استخدامه لشرعنة مخططها. واعتبر أن هذا الموقف شكّل خط الدفاع الأول الذي أسهم في إفشال محاولة ابتلاع الدولة عبر السيطرة على الإعلام.
وتوقّف الطيب عند لحظات بعينها من تلك الساعات، مخصّصًا تحية خاصة للإعلامي مبارك خاطر، الذي أعلن اندلاع الحرب فجر ذلك اليوم وبث ما وصفه بـ«نعي الخرطوم» على الهواء مباشرة، قبل أن يتعرّض لاعتداء داخل الاستديو من عناصر المليشيا بهدف إسكات صوته ومنع نقل الحقيقة. كما عبّر عن تضامنه الكامل مع الصحفي معمر إبراهيم، الذي واصل نقل الوقائع من داخل مدينة الفاشر المحاصَرة لمدة ثمانية عشر شهرًا، إلى أن اختُطف عقب اقتحام المدينة، معتبرًا قضيته مثالًا صارخًا على استهداف المليشيا للإعلام بوصفه شاهدًا مباشرًا على الجرائم.
وأكد الطيب أن الحرب فُرضت على السودانيين، وأنها تمثل حربًا دفاعية ومقاومة وطنية في مواجهة عدوان تقوده مليشيا الدعم السريع بدعم مباشر من فاعل خارجي، على رأسه دولة الإمارات، إلى جانب أطراف أخرى تسعى لتسخير الدولة السودانية لخدمة مشاريعها ومصالحها. وشدد على أن السلام حق لا جدال فيه، لكنه لا يكون سلامًا حقيقيًا إلا إذا تحقق ضمن شروط تحفظ الكرامة والسيادة والأمن، محذرًا من أن البديل المطروح عمليًا هو الخضوع لابتزاز المليشيا ورعاتها، وهو خيار لا يمكن أن يقبله الشعب السوداني.
وفي تناوله لجذور الأزمة، عاد الطيب إلى الفترة الانتقالية، معتبرًا أن ما جرى هو امتداد طبيعي لأزمة أعمق، تمثلت في محاولات بعض القوى احتكار ثورة ديسمبر وادعاء امتلاك «الصواب الثوري»، تمامًا كما حاول النظام السابق احتكار المجتمع عبر الدين. وأوضح أن الثورة قامت ليملك السودانيون قرارهم السياسي بأيديهم، لا ليستبدلوا استبدادًا بآخر، ولا ليُفرض مشروع سياسي بالقوة تحت شعارات ثورية.
وفي هذا السياق، شدد الطيب على أن السودانيين لا «يصطفون خلف الجيش» بالمعنى السياسي، بل إن القوات المسلحة تنتمي إلى الشعب وتؤدي خدمة عامة تتمثل في حماية الأمن والاستقرار. وأوضح أن الجيش حرر بيوت المواطنين قبل أي شيء آخر، وأنه يحمي المؤيدين والمعارضين للسلطة على حد سواء، لأن التغيير السياسي له أدواته المشروعة من نقد ومعارضة واحتجاج وثورة. في المقابل، وصف المليشيا بأنها كيان مملوك لعائلة بعينها ومرتبط بقوى خارجية، ولا يخضع لأي شكل من أشكال المساءلة الوطنية.
ورفض الطيب بصورة قاطعة السرديات التي تحاول تصوير الحرب على أنها مواجهة مع الإسلاميين، مؤكدًا أن هذه الرواية تنهار أمام الوقائع، في ظل وجود إسلاميين وقيادات أمنية بارزة من نظام البشير داخل صفوف المليشيا نفسها. وأشار إلى شخصيات لعبت أدوارًا عدائية ضد الثورة، وأخرى شاركت في تأسيس المليشيا أو وفّرت لها الغطاء السياسي والمالي، وبعضها يعمل اليوم مستشارًا لدولة الإمارات. وخلص إلى أن هذه ليست حرب أيديولوجيات، إذ إن الإسلاميين والليبراليين واليساريين موجودون في المعسكرين، لكنها حرب وجود يخوضها السودانيون بكل تنوعهم ضد مشروع يستهدف الدولة ذاتها.
وتناول الطيب سياسة تجنّب المواجهة التي سادت خلال الفترة الانتقالية، واصفًا التعامل مع المليشيا آنذاك بأنه شبيه بالتعامل مع «طفل مدلّل» تُرك يفعل ما يشاء لتفادي الانفجار، رغم أن الصدام كان حتميًا منذ لحظة إنشاء هذا الكيان خارج البنية الطبيعية للدولة. وشبّه وجود المليشيا داخل مؤسسات الدولة بجسم غريب لا يمكن أن يتعايش مع دولة طبيعية، مؤكدًا أن حاجتها الدائمة إلى «راعٍ» بدأت مع نظام البشير، ثم انتقلت لاحقًا إلى البحث عن راعٍ خارجي وجدته في دولة الإمارات، التي استخدمت، بحسب قوله، أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لتعزيز موقع المليشيا وعرقلة مسار الانتقال.
وتطرّق الطيب كذلك إلى ما وصفه بتراكم الإخفاقات الإماراتية في فرض مشاريعها داخل السودان خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن أبوظبي سعت للسيطرة على ملفات استراتيجية مثل الأراضي الزراعية في الفشقة، ومشروع الجزيرة، ومشروعات زراعية وتجارية كبرى أخرى، لكنها فشلت في تحقيق ذلك عبر القنوات الطبيعية للدولة السودانية. وأضاف أن هذه الإخفاقات دفعت الإمارات، بدلًا من التعامل مع السودان كشريك ذي سيادة، إلى البحث عن طرق التفاف انتهت بمحاولة ابتلاع الدولة عبر انقلاب مليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، وحين فشل الانقلاب، جرى جرّ البلاد إلى حرب شاملة بوصفها البديل القسري لفرض ذلك المشروع بالقوة.
وفي ملف الانتهاكات، قدّم الطيب توصيفًا حادًا لسلوك المليشيا، معتبرًا أنها تمارس العنف بصورة ممنهجة لإرهاب المدنيين، وتمثل نموذجًا فاشيًا تكون فيه القوة أداة الحكم بدلًا عن القانون. واستشهد بما جرى في مدينة الفاشر، حيث قال إن المليشيا ارتكبت خلال أيام قليلة مجازر ترقى إلى الإبادة الجماعية وفق تقديرات معاهد بحثية دولية، مع الإشارة إلى صور الأقمار الصناعية التي أظهرت آثار الدماء من الفضاء، وإلى ما وثقته منظمة الصحة العالمية بشأن مقتل مئات المرضى داخل مستشفى السعودي فور دخول المليشيا، في جريمة وثّقتها المليشيا نفسها.
وفي المقابل، ميّز الطيب بين طبيعة الانتهاكات، مشيرًا إلى بيانات إحصائية مستقلة، من بينها تقارير ACLED، التي تُحمّل المليشيا مسؤولية أكثر من ثلاثة أرباع الانتهاكات ضد المدنيين منذ اندلاع الحرب. وأكد أن الجيش، بوصفه مؤسسة دولة، يخضع للقانون ويمتلك آليات للتحقيق والمحاسبة والمحاكمات والفصل، وهو ما اعتبره شرطًا أساسيًا لبقاء الدولة نفسها.
وانتقد الطيب بشدة ما أسماه «المعادلة الزائفة» التي يتبناها جزء من الخطاب الدولي، والتي تساوي بين جماعة مسلحة ترتكب مجازر ممنهجة ودولة تدافع عن نفسها. وأشار إلى أن هذه السردية بدأت مبكرًا عبر توصيف جرائم الاغتصاب والانتهاكات الجنسية باعتبارها «أفعال أطراف مسلحة»، معتبرًا ذلك تمييعًا للمسؤولية وتشجيعًا غير مباشر على الإفلات من العقاب. وبرأيه، فإن هذا النهج منح المليشيا حصانة سياسية سمحت لها بمواصلة جرائمها دون رادع، في ظل اكتفاء المجتمع الدولي بالمشاهدة.
وفي المقابلة، شدد الطيب على أن جوهر الأزمة يكمن في غياب الوضوح الدولي، مؤكدًا أن ما يجري في السودان ليس صراعًا متكافئًا بين طرفين، بل حرب وجود مفروضة على شعب يسعى لحماية دولته من التفكك. السلام، كما قال، يظل الهدف، لكنه لا يكون سلامًا حقيقيًا إلا إذا أنهى مشروع العنف، وأعاد السيادة، وحمى المدنيين، وأغلق الباب أمام إعادة إنتاج الأسباب التي قادت إلى هذه الحرب من الأساس.
