بورتسودان – 19 ديسمبر 2025*– أفادت مصادر مطلعة في بورتسودان أن السودان بدأ بتحويل مسار صادراته من الذهب، بإرسال أول شحنة إلى سلطنة عمان عبر طائرة شحن تابعة لشركة سكاي فيجن إيرلاينز، في خطوة تأتي عقب توقف دولة الإمارات العربية المتحدة عن استيراد الذهب السوداني. هذه العملية، التي انطلقت من مطار بورتسودان الدولي، تشير إلى تغيير جوهري في وجهات الصادر السوداني الرئيسية.

جاء هذا التحول الاستراتيجي نتيجة لتصاعد التوتر بين الخرطوم وأبوظبي، حيث تتهم السلطات السودانية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل عام 2023. وقد أدى هذا التوتر إلى توقف الإمارات عن استلام الذهب القادم من السودان، ما دفع الحكومة السودانية للبحث عن بدائل عاجلة.

وتؤكد المصادر أن الحكومة السودانية تعمل بشكل مكثف على إيجاد قنوات تصدير بديلة للذهب، الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي لتوفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية ودعم الاقتصاد المنهك جراء الصراع.

وفي إطار مساعيها لتوسيع وتنويع شركائها التجاريين، كشفت المصادر عن وجود محادثات جارية مع دولة قطر لبحث إمكانية التعاون في إقامة مصفاة للذهب وبورصة عالمية داخل السودان. ويهدف هذا التوجه إلى تعظيم الاستفادة من الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية التقليدية، وبالتالي تعزيز القيمة المضافة للذهب السوداني.

في سياق متصل، نفت إدارة بنك أم درمان الوطني ما تردد عن وجود اتفاق مع بنك صحاري في سلطنة عمان لاستقبال الذهب من الشركات السودانية، مشددة على أن أي معلومات رسمية بهذا الشأن تصدر حصراً عبر قنوات البنك المعتمدة.

ويُعتبر هذا التحرك جزءاً من جهود أوسع تبذلها الخرطوم لإعادة هيكلة قطاع صادرات الذهب، وتوسيع شبكة منافذ التسويق بعيداً عن القنوات التقليدية. ويهدف ذلك إلى حماية الاقتصاد الوطني المتضرر من الحرب ودعم الشركات العاملة في قطاع التعدين، في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة.

الخبر الوارد عن تحويل مسار صادرات الذهب السوداني من الإمارات إلى سلطنة عمان يحمل دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، ويمكن تحليله من عدة زوايا:

1.  الضغوط الاقتصادية والحرب:
    *أهمية الذهب: يؤكد الخبر على الأهمية الحيوية للذهب كمصدر أساسي للعملات الأجنبية للسودان، خاصة في زمن الحرب حيث تتراجع الإيرادات الأخرى وتزداد الحاجة للعملة الصعبة لاستيراد السلع الأساسية وتمويل المجهود الحربي.
    * البحث عن البدائل: توقف الإمارات عن استلام الذهب يمثل ضربة اقتصادية كبيرة، مما يضطر الحكومة السودانية للتحرك بسرعة لإيجاد أسواق بديلة لضمان استمرارية تدفق العملة الصعبة. هذا يعكس ضعف المرونة الاقتصادية للبلاد واعتمادها الكبير على مورد واحد.

2.  التوترات الجيوسياسية وتحولات التحالفات:
    *  تداعيات الأزمة مع الإمارات:** التحول في وجهة تصدير الذهب هو انعكاس مباشر للتوتر السياسي بين السودان والإمارات، على خلفية اتهامات الخرطوم لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع. هذا يكشف عن استخدام الأدوات الاقتصادية كجزء من الصراع السياسي الأوسع.
    *  التقارب مع سلطنة عمان وقطر:** اختيار عُمان كوجهة بديلة يعكس محاولة الخرطوم إيجاد شركاء إقليميين يتمتعون بموقف أكثر حيادية (في حالة عُمان) أو يميلون إلى تقديم الدعم (في حالة قطر). المحادثات مع قطر لإنشاء مصفاة وبورصة ذهب تشير إلى طموح أبعد من مجرد البيع، نحو تطوير صناعة الذهب السودانية وتحقيق قيمة مضافة أكبر. هذا يعكس جهود الخرطوم لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية والدولية.

3. تحديات الشفافية والقطاع المصرفي:
    *  نفي بنك أم درمان:نفي بنك أم درمان الوطني لوجود اتفاق مع بنك صحاري العماني يثير تساؤلات حول آليات هذه الصفقات. هل هي تتم عبر قنوات حكومية رسمية، أم عبر شركات خاصة؟ وهل هناك تنسيق كامل بين الجهات الحكومية والمصرفية السودانية؟ هذا النفي قد يشير إلى نقص في الشفافية أو إلى أن الصفقة لا تزال في مراحلها الأولية وليست مؤكدة بعد من الجانب المصرفي.
    *  مخاطر غسل الأموال: الذهب القادم من مناطق النزاع غالباً ما يكون عرضة للتدقيق بسبب مخاوف تتعلق بتمويل الصراع وغسل الأموال. أي مسار جديد لتصدير الذهب يجب أن يلتزم بالمعايير الدولية لتجنب العقوبات أو وضع المتعاملين في موقف حرج.

4. الآفاق المستقبلية:
    *  تنويع الأسواق: إذا نجح السودان في تنويع أسواق الذهب وإقامة علاقات مع دول مثل عُمان وقطر، فقد يقلل ذلك من اعتماده على شريك واحد ويزيد من قدرته التفاوضية.
    *  التصنيع المحلي: مشروع المصفاة والبورصة العالمية للذهب مع قطر، إن تحقق، يمكن أن يحول السودان من مجرد مصدر للمواد الخام إلى لاعب رئيسي في سوق الذهب، مما يعود بفوائد اقتصادية كبيرة على المدى الطويل.
    *  استمرارية التحديات: سيبقى التحدي الأكبر هو استقرار الإنتاج وسط الحرب، ومكافحة التهريب، وضمان الشفافية في عمليات التصدير، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار السياسي الذي يمهد الطريق لتعافٍ اقتصادي حقيقي.

بشكل عام، يعكس هذا الخبر محاولات يائسة من الحكومة السودانية لتأمين إيراداتها الحيوية وسط حرب طاحنة، مع إعادة تشكيل خريطة علاقاتها الاقتصادية والسياسية في المنطقة.