تعتبر دارفور، بتنوعها الجغرافي والإثني، منطقة استراتيجية ربطت بين حوض النيل وبلاد الساحل والصحراء الكبرى. وقد سمح هذا الموقع بظهور ممالك قوية قامت على الزراعة والتجارة وشكلت هويتها الحضارية الفريدة. هذه الممالك لم تكن مجرد كيانات سياسية، بل كانت مراكز ثقافية ودينية أسهمت في صياغة المشهد التاريخي للمنطقة بأكملها.
1. سلطنة الداجو (Daju Sultanate)
تُعد سلطنة الداجو أقدم الكيانات السياسية المنظمة التي حكمت دارفور، ويُعتقد أن فترة حكمها امتدت من القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
الأصل والتأسيس: يُرجح أن الداجو كانوا من السكان الأصليين لدارفور، وتُشير بعض الروايات إلى وجود صلات بينهم وبين مجموعات في النوبة ووادي النيل. أقاموا دولتهم في قلب دارفور، وتحديداً في منطقة جبل مرة والمرتفعات المحيطة بها، مستفيدين من وفرة المياه والموارد الطبيعية.
امتداد النفوذ: لم يقتصر نفوذ الداجو على دارفور فحسب، بل امتد شرقاً ليشمل أجزاء من كردفان، وغرباً ليصل إلى مناطق في تشاد الحديثة. وقد أسسوا عاصمة لهم في “كلينغا” (Kaleinga) أو “جيرو” (Jiro) في مرتفعات جبل مرة.
خصائص الحكم: كانت سلطنة الداجو تعتمد بشكل كبير على القوة العسكرية وتنظيم القبائل. ورغم شح المعلومات المكتوبة عنهم، إلا أن الروايات الشفوية والآثار المادية القليلة تشير إلى وجود نظام حكم مركزي.
السقوط: يرجع سبب سقوط سلطنة الداجو إلى صعود قوة جديدة، وهي قبائل التنجر، التي هاجرت إلى المنطقة ونجحت في بسط نفوذها تدريجياً، إما عن طريق الغزو أو الاندماج التدريجي مع القبائل المحلية.
2. سلطنة التنجر (Tunjur Sultanate)
تلت سلطنة التنجر حكم الداجو، ويُقدر أنها ازدهرت في الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر الميلادي.
الأصل والتأسيس: أصول التنجر لا تزال محل نقاش بين المؤرخين؛ فبعض النظريات تشير إلى أنهم قدموا من النوبة أو من الشمال (مصر أو وادي النيل)، بينما ترجح أخرى أنهم كانوا خليطاً من مجموعات أمازيغية وعربية محلية. كان أبرز حكامهم “شاو دورشيد” و”أحمد المقور”.
التأثير الإسلامي: يُعد عهد التنجر نقطة تحول حاسمة في تاريخ دارفور، حيث شهد انتشاراً واسعاً للإسلام في المنطقة. وقد كان حكام التنجر أول من أسلم من حكام دارفور، وعملوا على نشر تعاليمه وبناء المساجد.
التطورات الحضارية: أدخل التنجر تطورات معمارية، مثل استخدام الطوب اللبن في بناء القصور والمباني الحكومية، وشيدوا مدناً مثل “عين فرح” التي كانت مركزاً إدارياً واقتصادياً هاماً. كما قاموا بتنظيم التجارة وتأمين طرق القوافل.
السقوط: شهدت فترة حكم التنجر ظهور قبيلة الفور كقوة صاعدة. ومع تزايد نفوذ الفور، خاصة في المناطق الجنوبية والشرقية من دارفور، بدأت سلطة التنجر في التدهور. وانتهى حكمهم بسقوط عاصمتهم عين فرح على يد زعماء الفور، مما مهد الطريق لظهور مملكة الفور.
3. مملكة الفور (Fur Sultanate)
تعتبر مملكة الفور الأطول عمراً والأكثر نفوذاً في تاريخ دارفور القديم، وقد امتد حكمها من حوالي عام 1600 ميلادي حتى عام 1916 (مع فترات انقطاع).
التأسيس والتعزيز: تأسست مملكة الفور على يد زعماء قبيلة الفور، ويُعتبر السلطان “سليمان سولونق” (Sulaiman Solong) الذي حكم في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، هو المؤسس الحقيقي للمملكة الموحدة. قام سليمان سولونق بتوحيد القبائل المتناحرة في دارفور، وأرسى دعائم دولة قوية إسلامية.
العصر الذهبي والاتساع: بلغت مملكة الفور أوج قوتها وازدهارها في عهد السلطان “دالي” (Dali) ثم في عهد السلطان “موسى” (Musa) المعروف بـ”عبد الرحمن الرشيد”. اتسعت حدود المملكة لتشمل أجزاء كبيرة من كردفان شرقاً وشرق تشاد غرباً.
الخصائص الإدارية والثقافية
الإسلام كدين للدولة: عزز سلاطين الفور الإسلام كدين رسمي، وشجعوا على بناء المساجد والمدارس القرآنية، وجذبوا العلماء والفقهاء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
النظام الإداري: أقاموا نظاماً إدارياً قوياً يعتمد على “المكوك” (المشايخ المحليين) تحت سلطة السلطان، مع جيش منظم وتحديد دقيق للموارد والضرائب.
الاقتصاد: ازدهرت التجارة عبر الصحراء (طريق الأربعين)، حيث كانت دارفور مركزاً مهماً لتجارة الرقيق، الذهب، الصمغ العربي، وريش النعام.
العاصمة: كانت الفاشر عاصمة المملكة، وتطورت لتصبح مركزاً حضرياً وتجارياً مهماً.
السقوط المؤقت والنهوض: تعرضت مملكة الفور للاحتلال المصري في سبعينيات القرن التاسع عشر في عهد الخديوي إسماعيل، ولكنها استعادت استقلالها مع الثورة المهدية. وبعد سقوط المهدية، أعاد السلطان “علي دينار” إحياء المملكة في عام 1898.
السقوط النهائي: انتهى حكم مملكة الفور بشكل نهائي عام 1916، عندما تمكنت القوات البريطانية المصرية من هزيمة السلطان علي دينار وقتله، وضمت دارفور رسمياً إلى السودان الأنجلو-مصري.
خاتمة
لقد تركت هذه السلالات الثلاث، الداجو، التنجر، والفور، إرثاً حضارياً عميقاً في دارفور. فقد أسست سلطنة الداجو لأولى أشكال الدولة المنظمة، وأدخلت سلطنة التنجر الإسلام وعززت التجارة، بينما بلغت مملكة الفور أوج قوتها ونظمت الدولة على أسس إسلامية قوية، تاركة بصمات لا تزال واضحة في الثقافة والهوية الدارفورية حتى يومنا هذا. هذا التاريخ العريق يؤكد على أن دارفور كانت مركزاً لحضارات مزدهرة وفاعلة في محيطها الإقليمي.
