منحة سلطانية ووثيقة ملوكية بمدينة سنار المحروسة المحمية أهلها الله تعالى لذا مولانا سلطان المسلمين وخليفة رب العالمين القائم بأمور الدنيا والدين القائم المصالح المسلمين وناشر شريعة سيد المرسلين وناشر لواء العدل والفضل على عافة العالمين من أصلح الله به العباد و (أنار) به البلاد و قالع) أهل الكفر والشرك والعناد وأهل الظلم والفساد ورحمة الله سبحانه وتعالى على متولي البلاد الواثق بالملجأ الهادي السلطان بن السلطان المظفر المعان السلطان بادي بن المرحوم دكين بن
السلطان بادي نصره الله الرحمن الرحيم بجاه القرآن العظيم والنبي الكريم أمين آمین یا رب العالمين. ** إلى حضرة كل من تقع عليه هذه الوثيقة والناظر لما فيها من الحقيقة وبعد: فإن السلطان المحفوظ المنصور المتصور السلطان بادي أعطى واهباً إمضاء تاماً للشيخ عوض الكريم أنوس بن أبي علي بن محمد الأديمع شيخ قبيلة الشكرية أطيان مطرية وبحرية بشرق بحر الدابك وشرق الرهد وهي أرض واسعة حدودها من الصعيد عين اللوبية ومن الصناع بحر أنبرة لفارة الشريف حسب الله ومن الشيخ محمد أبوكليك والأمين / هارون ولد يونس والجندي علي ولد شوال جندي السوق والشيخ صياد ولد عبد الرازق /شيخ حوش خال الملك والشيخ بادي ولد مسمار شيخ قري والشيخ عمر جور ولد له حمد الزبير شيخ التاغة والشيخ عجيب ولد هاسكيت شيخ أنبرة والشيخ إبراهيم ولد عبد الطاي شيخ بيلة والشيخ بابل مقدم السواكرة والشيخ علي والدتور شيخ كردفان والشيخ قاسم ولد إدريس ولد بابل مقدم السواكرة والسلطان عبدالله ولد السلطان بادي سلطان فور المريعات والملك أحمد عدلان ملك برساج شيخ السجاج والشيخ مدني ولد شنبول شيخ أريحبي والشيخ علي ولد محمود شيخ القوارية والمؤذن عثمان ولد بلي والقاضي الشريف عمر والخطيب نوار ولد عما دير ومسطر الحروف فقير الله حضرة إبراهيم يعقوب
الساحل أطيان الشيخ الصالح علي أبودليق والشيخ الصالح حسين ولد حسونة ومن الغرب الساحل الشرقي من بحر الدابك وبحر الرهد ليعمر فيها قبيلته الشكرية وغيرهم ممن يختاره ويتبرع بأخذ خراجها منهم ويخرج من داخل نخلة الحدود طين العبدلاب فقط، عطاء ناجزاً له ولذريته وذرية ذريته إلى ما شاء الله، لا ينازعهم فيها منازع ولا يعارضهم فيها معارض، ومن يتعرض له بعد وثيقتي هذه فقد عرض نفسه للهلاك، والحذر ثم الحذر من المخالفة والمخالف لا يلوم إلا نفسه. حضر ذلك وشهد به الوزير الشيخ ناصر بن
حميرا. وكفى بالله شهيداً. تحرر ذلك ظهر الإثنين ثلاثة عشر ليلة خلت من شهر الله ربيع الأول من شهور سنة ١٢٠٦هـ، سنة بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
> التحليل اللغوي والبلاغي:
تبرز الوثيقة استخداماً بديعاً للغة العربية الفصحى، مع صياغات بليغة تهدف إلى إضفاء الهيبة والقداسة على السلطان. الألقاب المسبغة على “السلطان بادي” – “سلطان المسلمين وخليفة رب العالمين”، “القائم بأمور الدنيا والدين”، “ناشر شريعة سيد المرسلين” – ليست مجرد زينة، بل هي تعبير عن الشرعية الدينية والسياسية المطلقة التي كان يتمتع بها حكام سنار، ووسيلة لترسيخ سلطتهم في أذهان العامة. هذه الأوصاف تطوي تحتها رؤية للحاكم كحامٍ للدين والعدل، مطهرٍ للأرض من الكفر والفساد. اللغة هنا ليست فقط وسيلة للتعبير، بل أداة للسلطة.
> التحليل التاريخي والاجتماعي:
تُعطينا الوثيقة لمحة نادرة عن نظام الإقطاع وتوزيع الأراضي في سلطنة سنار (التي كانت قائمة عام 1206 هجرية الموافق حوالي 1791 ميلادية). منح الأراضي الشاسعة لـ”الشيخ عوض الكريم أنوس” شيخ قبيلة الشكرية، يعكس استراتيجية السلطان في تثبيت الولاءات القبلية وتأمين الحدود. هذه المنحة الدائمة (“عطاء ناجزاً له ولذريته وذرية ذريته إلى ما شاء الله”) تُظهر عمق العلاقة بين السلطة المركزية والقبائل الكبرى، حيث كان منح الأراضي بمثابة عقد اجتماعي وسياسي يُلزم القبيلة بالولاء ويوفر لها الاستقرار مقابل دعم السلطان.
تحديد الحدود بدقة، بذكر “عين اللوبية” و”بحر أنبرة” و”بحر الدابك” و”الرهد”، ليس فقط تحديدًا جغرافيًا، بل هو رسم لخارطة النفوذ الاقتصادي والسياسي، وربما كان هذا دليلًا على أهمية هذه المناطق الزراعية (أطيان مطرية وبحرية) في دعم الاقتصاد المحلي. الإشارة إلى حق الشيخ في استغلال الخراج من هذه الأراضي وتعميرها بقبيلته وغيرهم ممن يختار، تُبرز اللامركزية في إدارة بعض الشؤون المحلية ضمن الإطار العام لسلطة سنار.
> نظام السلطة والقانون:
النص يُبرز قوة القانون والسلطة الملكية: “من يتعرض له بعد وثيقتي هذه فقد عرض نفسه للهلاك”. هذه الجملة تحمل تحذيرًا صارمًا يعكس قوة السلطان المطلقة وقدرته على فرض إرادته. قائمة الشهود الطويلة – التي تضم وزراء، قضاة، شيوخ قبائل، قادة عسكريين، وحتى مؤذنين – تُشير إلى هيكل إداري وقضائي متعدد المستويات، وتُظهر أن هذه الوثيقة لم تكن مجرد أمر ملكي بل كانت معتمدة ومصدقة من أركان الدولة والمجتمع.
تفصيل استثناء “طين العبدلاب فقط” من داخل نخلة الحدود هو نقطة مثيرة للاهتمام، وتُلمح إلى وجود ملكيات سابقة أو حقوق مكتسبة لأطراف أخرى (العبدلاب)، مما يدل على تعقيدات العلاقات الملكية والأرضية في ذلك الوقت، وأن السلطان، على الرغم من سلطته الواسعة، كان يعترف ببعض الترتيبات القائمة.
إن وثيقة ثرية بمعانيها ودلالاتها، تُجسد فن الكتابة الإدارية في تلك الحقبة، وتقدم نافذة ثمينة على فهم تركيبة المجتمع والدولة في سلطنة سنار.
