في قلب دارفور، حيث لا تكتفي قذائف الحرب بتمزيق الأجساد والأرض، بل تمعن في خنق شرايين الحياة الاقتصادية، يختنق الواقع تحت وطأة أزمة سيولة نقدية غير مسبوقة. ليست هذه مجرد مشكلة اقتصادية عابرة؛ إنها رواية كاشفة لتداعيات صراع يتجاوز ميادين القتال، لينسج شبكة معقدة من الفوضى والتربح في الظل، تماماً كحبكة روائية تُكشف فصولها ببطء مؤلم. إن ما يحدث ليس مجرد تدهور تلقائي، بل هو نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل الصراع المسلح، وغياب السلطة المركزية، وتصرفات جهات فاعلة تسعى لتحقيق مكاسب على حساب حياة الملايين. تحقيقنا هذا يغوص في أعماق هذه الأزمة التي حوّلت الأسواق الصاخبة إلى أشباح، ودفعت بملايين الأبرياء إلى حافة الانهيار، مهددة الأمن الغذائي والمعيشي في إقليم يُصارع من أجل البقاء. فما هي الأيادي التي تعبث بهذا الشريان الحيوي؟ ومن المستفيد من هذا الشلل النقدي؟

فصول الأزمة: قصة اختفاء النقود والسؤال المعلق

1.  المال المهاجر: هروب الثقة أم يد خفية؟**
    إن ظاهرة “هروب النقود” من مناطق النزاع كدارفور، لا يمكن اختزالها في مجرد سلوك فردي من التجار بسحب النقود إلى مناطق أكثر استقراراً  في جوهرها تعبير عن انهيار شامل للثقة في المنظومة الاقتصادية والسياسية بأكملها، يُشكل هذا الهروب مؤشراً قوياً على غياب اليقين الاقتصادي وتوقعات التضخم المستمر وفقدان قيمة العملة، في ظل الفوضى يصبح الاحتفاظ بالنقد السائل أو الذهب ملاذاً آمناً لبعض الفاعلين، فيما يسعى آخرون إلى تحويله إلى أصول أكثر استقراراً خارج الإقليم أو حتى خارج البلاد، السؤال الجوهري هنا يتجاوز هروب الأفراد العفوي ليلامس وجود “يد خفية” منظمة تغذي هذا الخوف، وتعمل على احتكار النقد تشير التحليلات الأولية والشهادات الميدانية إلى أن جماعات مسلحة أو فاعلين اقتصاديين مرتبطين بها، أو حتى شبكات تهريب تقوم بجمع السيولة النقدية من الأسواق المحلية وتخزينها، إما لتمويل عملياتها أو للمضاربة عليها أو لغسل الأموال مما ساهم في سحب كميات هائلة من السيولة من التداول الطبيعي، وخلق ندرة مصطنعة تدفع نحو المزيد من الانهيار. هذا الاحتكار ليس فقط اقتصادياً، بل هو أداة للسيطرة والتأثير في المشهد العام.

2.السوق السوداء للنقود: غطاء شرعي للجباية؟
    إن ارتفاع قيمة الأوراق النقدية الفعلية بنسبة تتجاوز 20% عند التبادل الإلكتروني ليس مجرد “علاوة” بسيطة، بل  مؤشر على نشأة سوق سوداء للنقود تعمل على استغلال حاجة الناس الملحة للسيولة هذه الظاهرة لا تُعتبر مجرد اختلال في العرض والطلب، بل هي منظومة جباية غير مشروعة تضع عبئاً إضافياً على كاهل المواطنين من يقف وراء هذا التضخم المصطنع في قيمة الكاش؟ هي في الغالب شبكات من “الصيارفة” غير المرخصين،  تستفيد من الفارق بين القيمة الاسمية للنقد والقيمة التبادلية الرقمية  هؤلاء يُديرون عمليات تحويل الأموال بطرق غير نظامية، ويستغلون ندرة الكاش لفرض رسوم باهظة، محققين بذلك أرباحاً طائلة هذه السوق السوداء تُمثل اقتصاداً موازياً ينمو في ظل غياب الرقابة المصرفية وتآكل سلطة الدولة، ويُعزز من قدرة الفاعلين غير الشرعيين على التحكم في حركة الأموال داخل الإقليم.

3. أوراق عملة بلا قيمة: قرار السيادة أم عزل متعمد؟
    إن قرار تغيير العملة الورقية في أي دولة هو إجراء سيادي يهدف عادة إلى مكافحة التضخم أو تزوير العملة ولكن في سياق دارفور فإن هذا القرار، الذي لم تصل بموجبه الأوراق النقدية الجديدة بكميات كافية، بينما فُرض حظر فعلي على الكميات التي دخلت دارفور مما يطرح تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية والتبعات غير المقصودة أو المتعمدة هل كان هذا مجرد خلل لوجستي ناتج عن ضعف البنية التحتية والظروف الأمنية أم قراراً مدروساً لعزل الإقليم اقتصادياً، وتجريده من أدوات التبادل مما يفرض عليه حالة تبعية كاملة؟ معاناة السكان مع “كنز” من الأوراق النقدية التي باتت بلا قيمة، تكشف عن سوء تخطيط فادح، أو ربما عن سياسة تهدف إلى تقليص النفوذ الاقتصادي لبعض الفاعلين في الإقليم من خلال حرمانهم من السيولة، ما يؤدي إلى شل قدرتهم على تمويل الأنشطة التجارية أو حتى المسلحة إن هذا الأمر يلقي بظلاله على العلاقة بين المركز والأطراف ويثير شبهات حول استخدام أدوات السياسة النقدية لأهداف غير اقتصادية بحتة.

4.العودة إلى المقايضة: انهيار منظّم أم طبيعي؟
    إن مشاهد المقايضة في دارفور ليست مجرد عودة إلى بدائية العيش؛ إنها شهادة دامغة على انهيار كامل للنظام النقدي وفقدان الدولة لسيطرتها على أبسط آليات السوق في الاقتصاديات الحديثة تُعتبر المقايضة غير فعالة للغاية لأنها تتطلب “توافق الحاجات المزدوج” هذا العودة تعني زيادة تكاليف المعاملات، وتحد من التخصص وتعيق التنمية الاقتصادية، هل يمكن اعتبار هذا الانهيار تلقائياً في ظل الحرب، أم أن الفراغ الاقتصادي الذي أحدثته أزمة السيولة مهّد الطريق لتشكيل اقتصاد موازٍ، يتم التحكم فيه خارج أي إطار قانوني؟ في ظل غياب النقد، يصبح من يمتلك السلع الأساسية (الغذاء، الوقود) هو صاحب السلطة الاقتصادية هذا قد يُعيد تشكيل النفوذ الاقتصادي ليصبح في أيدي من يسيطرون على طرق التجارة أو مناطق الإنتاج الأساسية، مما يرسخ سلطات الأمر الواقع ويُعمق من تبعية السكان.

5. اختفاء الفئات الكبيرة: شل حركة الاقتصاد أم تفتيت للسلطة؟
    إن ندرة الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة، التي تُعد عصب الصفقات التجارية الكبرى والمعاملات بين التجار، تُشير إلى شلل منهجي لحركة التجارة المنظمة، هذه الندرة لا تؤثر فقط على قدرة التجار على إتمام الصفقات الكبيرة، هل هذا الشلل عَرَضٌ من أعراض الحرب ونقص السيولة العام، أم أداة تُستخدم لتفتيت القوة الاقتصادية لأطراف معينة، وإعادة تشكيل موازين القوى المالية في الإقليم؟ يمكن أن يكون هذا تكتيكاً مقصوداً من قبل جهات معينة لتقويض المنافسين الاقتصاديين أو لتضييق الخناق على جماعات محددة، مما يعزز من هيمنة الفاعلين الذين لديهم القدرة على الوصول إلى فئات نقدية كبيرة أو إلى وسائل دفع بديلة. هذا يؤدي إلى تفكيك الشبكات التجارية التقليدية وظهور بدائل أكثر هشاشة وتحكماً.

6.الصادرات المتوقفة والاستيراد المستمر: استنزاف ممنهج؟
    إن توقف صادرات دارفور الرئيسية (مثل الماشية، الصمغ العربي، والمحاصيل الزراعية)، مع استمرار تدفق الاستيراد، ليس مجرد خلل تجاري إنه استنزاف ممنهج لأي سيولة نقدية متبقية داخل الإقليم إن اعتماد دارفور على الاستيراد دون وجود مصادر دخل من التصدير يخلق عجزاً تجارياً هائلاً، مما يؤدي إلى تدفق العملة الصعبة أو حتى العملة المحلية المتاحة خارج الإقليم، من المستفيد من تعطيل حركة الإنتاج والتصدير في دارفور، وفي المقابل، من يُسهّل ويُغذّي حركة الاستيراد التي تستنزف آخر بقايا المال؟ غالباً ما تكون هذه الشبكات مرتبطة بفاعلين يسيطرون على نقاط العبور الحدودية، أو لديهم القدرة على استيراد السلع الأساسية وبيعها بأسعار مرتفعة في ظل غياب المنافسة والرقابة. هذا النموذج الاقتصادي يُكرس التبعية ويزيد من هشاشة الإقليم، محولاً إياه إلى سوق استهلاكي لا ينتج، مما يعمق من أزمته المعيشية والاقتصادية.

إن أزمة السيولة النقدية في دارفور ليست مجرد مشكلة في الأرقام؛ إنها جريمة اقتصادية تُرتكب في حق شعب بأكمله، فصولها تُكتب بدماء الفقراء وعرق الكادحين، تحليل هذه الأزمة يُظهر أنها ليست عشوائية، بل هي نتاج لتفاعلات معقدة بين الصراع، وغياب الحوكمة، واستغلال منظم للظروف من قبل فاعلين يسعون لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية. تحقيقنا هذا هو دعوة لكشف كامل لهذه الشبكات، وتحديد المسؤولين، ووضع آليات عاجلة للتدخل، قبل أن يغرق دارفور في ظلام النسيان الاقتصادي الأبدي وتُغلق صفحات هذه الرواية المأساوية دون أن تُعرف الحقيقة الكاملة.