وسط تصاعد حدة التوتر مع الإدارة الأمريكية، تجد المحكمة الجنائية الدولية نفسها أمام منعطف وجودي، حيث تتأهب المؤسسة الدولية لموجة جديدة من العقوبات الأمريكية، في وقت تعمل فيه على تحصين استقلاليتها ومواصلة مهامها القضائية الحساسة.
تهديدات علنية بتفكيك المحكمة
وتواجه المحكمة ضغوطاً سياسية وقانونية مكثفة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث توعد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالعمل على تفكيك المحكمة “حجراً حجراً”، معتبراً أنها تشكل تهديداً للسيادة الوطنية الأمريكية.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية عن تحركات للمندوب الأمريكي الدائم لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ماثيو ويتاكر، لحشد الدعم بين الحلفاء من أجل “تصفية منهجية” للمحكمة، داعياً الدول الأعضاء في الحلف إلى الانسحاب من نظام روما الأساسي.
استراتيجية “البدائل” لضمان العمل
وفي أول رد فعل رسمي على هذه التهديدات، شدد المدعي العام بالوكالة للمحكمة الجنائية الدولية، ماندياي نيانغ، على أن الهجمات الأمريكية تنبع من “سوء فهم” لطبيعة أنشطة المحكمة. وأعرب نيانغ في مقابلة صحفية عن قلق المؤسسة من استهدافها ككيان مؤسسي، وليس فقط أفرادها، محذراً من أن العقوبات قد تعيق قدرة المحكمة على استخدام الوسائل التكنولوجية والقيام بمهامها التشغيلية الأساسية.
وأكد نيانغ أن المحكمة قد بدأت بالفعل في البحث عن “بدائل” استراتيجية تضمن الحفاظ على استقلاليتها وقدرتها على استمرار العمل القضائي، رغم العقوبات التي جعلت من الصعوبة بمكان على المشمولين بها إنجاز معاملات أساسية، كإجراء حجوزات السفر أو استخدام أنظمة الدفع الدولية.
قضية دوتيرتي: اختبار للعدالة الدولية
وفي ظل هذه الأجواء، تتهيأ المحكمة لخطوة قضائية بارزة، حيث يستعد نيانغ لقيادة محاكمة الرئيس الفلبيني السابق، رودريغو دوتيرتي، بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية إبان “الحرب على المخدرات”. ويرى نيانغ في هذه المحاكمة رسالة رمزية قوية بأن “لا أحد فوق القانون”، مشيراً إلى أن مثول زعماء سابقين أمام المحكمة كان أمراً غير قابل للتصور في الماضي.
وأكد المدعي العام بالوكالة تمسك المحكمة بمسارها القضائي في ملاحقة كافة المطلوبين، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤكداً أن المحكمة تجاوزت أزمتها الداخلية الأخيرة المتعلقة بالمدعي العام السابق، وتركز الآن بشكل كامل على استمرارية العمل حتى انتخاب مدعٍ عام جديد.
وتأتي هذه التطورات لتضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل القانون الدولي، وما إذا كانت المؤسسات القضائية قادرة على الصمود أمام منطق القوة السياسية، أم أنها تتجه نحو مرحلة من التفكيك المؤسسي.
