تواجه الأسواق السودانية موجة تضخمية حادة تعصف بالاستقرار المعيشي للمواطنين، في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني تسجيل مستويات قياسية من التراجع أمام العملات الأجنبية. ويأتي هذا الانهيار في قيمة العملة المحلية نتيجة مباشرة للضغوط العنيفة التي تفرضها تداعيات النزاع على هيكل الإنتاج الوطني، واضطراب سلاسل الإمداد، وتآكل القدرة الإنتاجية للقطاعات الحيوية.
فجوة سعرية واسعة
وعلى الرغم من المحاولات الرسمية التي قادها بنك السودان المركزي مؤخراً عبر منح المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار الصرف، ومحاولة جذب حصائل الصادرات عبر آليات العرض والطلب، إلا أن السوق الموازية لا تزال هي المحرك الفعلي للأسعار.
وقد رصدت التعاملات الأخيرة قفزات سعرية للدولار الأميركي الذي كسر حاجز الـ 7 آلاف جنيه في السوق الموازية، وهو ما يمثل فارقاً ضخماً يتراوح بين 2800 و3300 جنيه عن أسعار الصرف المعتمدة في القنوات المصرفية الرسمية، مما يعمق أزمة “تعدد أسعار الصرف” ويدفع نحو مزيد من المضاربات.
سلاسل الإمداد تحت الضغط
تؤكد البيانات الميدانية وتحليلات معهد بحوث سياسات الغذاء الدولي (IFPRI) لشهر يوليو 2026، أن أزمة سعر الصرف لم تكن العامل الوحيد في اشتعال الأسعار؛ بل تضافرت معها عوامل هيكلية أخرى، أبرزها:
- تكاليف اللوجستيات: أدى اضطراب طرق التجارة وتصاعد أسعار الوقود إلى ارتفاع تكلفة نقل البضائع من الموانئ ومراكز الإنتاج إلى المستهلك النهائي، مما انعكس فورياً على أسعار السلع الأساسية.
- عجز الاستيراد: اعتماد الاقتصاد السوداني الكلي على السلع المستوردة جعل الأسواق أكثر عرضة للتقلبات الخارجية وسرعة انتقال “عدوى” انهيار العملة إلى سلة المستهلك.
- انحسار الإنتاج: أدى توقف أو تراجع العمليات الإنتاجية في المناطق المتضررة من النزاع إلى نقص حاد في المعروض المحلي، مما خلق فجوة بين الطلب المتزايد والعرض المحدود.
تداعيات اجتماعية واقتصادية
لم تعد تداعيات الغلاء تقتصر على مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ بل امتدت لتطال “أمن الغذاء” للأسرة السودانية. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن التضخم دفع الأسر إلى تغيير جذري في أنماط الاستهلاك، من تقليص عدد الوجبات إلى التضحية بالإنفاق على الصحة والتعليم لضمان الاحتياجات الأساسية، مما ينذر بتفاقم معدلات الفقر في المدى المنظور.
ويظل المشهد الاقتصادي في السودان رهينة لمتغيرات النزاع، حيث تتضاءل الحلول النقدية التقليدية أمام تحديات واقعية تفرضها ظروف الحرب التي أفرغت أدوات السياسة النقدية من فاعليتها التقليدية في كبح جماح التضخم.
