إعداد/ د مهند عثمان

يقرر هربرت أ. شيللر أن الجهاز الإعلامي يعد من أخطر أدوات السيطرة في يد النظام، ناقش شيللر في كتاباته عمليات التضليل الإعلامي الهائلة التي تجري عبر تحالفات بين الجهات المهيمنة ووسائل الإعلام التي تمثل الاحتكارات الكبرى مبيناً قدرتها على الحجب والتضخيم والاختلاق والتعمية والحشد والتجييش، وفي السياق السوداني تجسدت هذه المقولة بوضوح تاريخاً طويلاً من الصراع على الفضاء الإعلامي والسيطرة على الوعي الجمعي، فقد حرصت الدولة في السودان شأنها شأن غالبية الأنظمة السياسية المتعاقبة على امتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها بشكل مباشر حيث كانت الإذاعة والتلفزيون القومي تمثلان المنبر الأوحد لتوجيه الرأي العام واحتكار الرسالة الإعلامية، وعلى الرغم من الانطباع السائد بأن احتكار السلطة للإعلام يقتصر على الأنظمة الشمولية، إلا أن طروحات شيللر تنسحب أيضاً على واقع اقتصاد السوق والإعلام التجاري العابر للحدود، حيث بتحول التحكم في الوعي إلى صناعة مجهزة بأحدث أدوات التأثير.

انكسار الاحتكار الحكومي المطلق لوسائل الإعلام في السودان

في اللحظة التي يختبر فيها السودان أقصى درجات هشاشته التاريخية تتداخل أصوات المدافع مع صخب الفضاء الرقمي، لم تعد فيها الحقيقة مجرد ضحية جانبية للحرب بل أصبحت الهدف الرئيسي لها، فظهور الصحافة المستقلة والفضائيات الخاصة نمو شبكات الإعلام الخاصة محلياً التي كسرت طوق الاحتكار الرسمي وقدمت خطابات متنوعة والبث الفضائي والعابر للحدود بجعل التحكم في المحتوى المتلقى أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً وثورة الإنترنت وانتشار المنصات الرقمية التي تحولت إلى إعلام بديل يلجأ إليه المواطن السوداني للبحث عن الحقيقة وتجاوز القيود التقليدية، أدى هذا التحول إلى دخول الإعلام الرسمي في السودان بمزاحمة حقيقية مع الإعلام الخاص، وكلاهما يخوضان اليوم منافسة مريرة مع الإعلام العالمي والعابر للحدود الذي يتميز بقدرات فائقة على جذب الانتباه وصياغة الروايات، بتحول العالم إلى مساحة مفتوحة تتداخل فيها المصالح وتتعدد الأزمات من النزاعات المسلحة والفقر والنزوح إلى التحديات الصحية والاقتصادية، تبرز خطورة الدور الإعلامي الذي لم تعد وسائل الإعلام مجرد ناقل للأحداث بل أصبحت هي الصانعة لواقع وهمي بديل يؤثر بعمق على مصادر القرار الفردي والوطني، ومن هنا يظل الصراع محتدماً في المشهد السوداني بين محاولات الهيمنة الرسمية واحتكار الوعي وبين إرادة التحرر والتدفق الحر للمعلومات عبر الفضاءات البديلة، لا نتحدث اليوم عن تضليل إعلامي تقليدي فقط نسوح في ثورة هندسة التضليل يقودها الذكاء الاصطناعي الذي حول المعركة من الميدان الجغرافي إلى العقل الجمعي للسودانيين، ومعاً نبحر في أعماق المشهد الإعلامي السوداني متجاوزين السطحيات لنحلل كيف تعيد الخوارزميات تشكيل الهوية وتفكيك الروابط الاجتماعية وتهديد مستقبل السلم الأهلي في بلد يفتقر اليوم إلى مظلة وطنية لحماية معلوماته.

التصدع الكبير انهيار المؤسسات وعسكرة الفضاء الرقمي

لم يكن انهيار المؤسسات الإعلامية في السودان منذ أبريل 2023 مجرد خسارة مادية للمقرات والأجهزة بل كان فقدانا للوسيط الموثوق حتى في المجتمعات المستقرة التي تقوم المؤسسات الصحفية بدور الفلتر الذي ينقي المعلومات قبل وصولها للجمهور، ففي السودان انهار هذا الفلتر تماماً ليحل محله نموذج المشاركة اللحظية

نمط الصحافة المشتتة
يلحظ بأن الأخبار المتداولة حول السودان معظمها لا تصدر من غرف تحرير بل عن مجموعات دردشة مغلقة تليجرام أواتساب أوصفحات فيسبوك تدار من قبل أفراد، وغالباً ما تكون مرتبطة بأطراف النزاع هذا النمط خلق بيئة مضللة بطبيعتها، وأضحت المصداقية تعتمد على عدد المتابعين (Followers) لا على صحة المعلومة.

اتجاهات الاستهلاك العاطفي
الجمهور السوداني لم يعد يستهلك الأخبار بهدف المعرفة بل يهدف إلى التفريغ العاطفي، فالخوارزميات التابعة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تعتمد على الربح من التفاعل تدرك ذلك جيداً، لذا فهي تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة للغضب أو الخوف إلى صدارة الترتيب، مما أدى إلى تغذية دائرة مفرغة من الاستقطاب.

تشريح مصانع الإشاعات الذكاء الاصطناعي كمحرك للنزاع

لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة محايدة في الحالة السودانية فقد تمم توظيفه ليصبح مضاعف قوة للأطراف المتنازعة، يلاحظ انتشار التزييف الصوتي لمؤثرين يجعل المتلقي يشعر بأن الخطاب نابع من الذي تم تحوير صوته مما يكسر حاجز الشك الأولي، في مجتمع يعتمد شفهياً على الكلمة المسموعة يعد هذا تهديداً أمنياً من الدرجة الأولى، بالإضافة إلي ذلك يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع فيديو لمجازر أو انتصارات عسكرية لم تحدث قط، أو لتغيير سياق صور قديمة أو أحداث لم تحدث بالسودان، هذه الأدوات أصبحت متاحة تقنياً بتكلفة شبه معدومة مما يعني أن أي جهة مهما صغر حجمها يمكنها شن حرب معلوماتية شاملة.

القيمة الشاذة
وسط هذا الضجيج، ظهرت “خلايا المقاومة الرقمية”. وهي مجموعات صغيرة من المبرمجين والنشطاء الشباب الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها لكشف التزييف. هؤلاء يمثلون “الجهاز المناعي” الذي بدأ يتشكل تلقائياً، وهو نمط واعد لكنه يفتقر إلى التنظيم والتمويل المؤسسي.

هل سنفقد الذاكرة الوطنية؟

الخطر الأكبر الذي يواجه السودان ليس الحرب الحالية فحسب بل محو الحقيقة التاريخية بعد ما امتلئ الفضاء الرقمي بمحتوى مولد آلياً ومزيف فإن الأجيال القادمة لن تجد سجلاً تاريخياًو يعتمد عليه، فالنماذج العالمية للذكاء الاصطناعي تدرب على بيانات لمصالح غربية في المقام الأول، عندما يسأل شاب سوداني هذه النماذج عن أسباب الأزمة السودانية؟ فإنها تقدم إجابات معلبة ومبسطة تعكس رؤية خارجية متجاهلة التعقيدات الإثنية والتاريخية والاجتماعية، هذا التبسيط يقتل التفكير النقدي ويجعل الشباب عرضة لأيديولوجيات تخدم أجندات القوى العظمى التي تمتلك هذه الخوارزميات، كتهديد أمني جيوسياسي
لإن غياب سيادة البيانات في السودان يجعل البلاد ساحة تجارب مفتوحة، فالمحتوى المولد آلياً يمكن أن يؤدي إلى تفجير نزاعات قبلية في مناطق الهشاشة عبر تحريض طرف ضد آخر برسائل مستهدفة تصل بدقة لهواتف سكان تلك المناطق.

لماذا يبتعد السودانيون عن الصحافة التقليدية؟

الإجابة ليست في عدم الاهتمام بل في الإرهاق النفسي، لانتشار ظاهرة التجنب بعدما شعر المواطن السوداني أن الأخبار لم تعد تخدمه في النجاة اليومية فالأخبار التي تحكي عن صراع القوى في الخارج أو بيانات البيانات الصحفية الرسمية، لا تجيب على سؤال المواطن كيف أحصل على الخبز؟ أو كيف أصل للماء؟ أو متي تتوقف الحرب؟ بالمقابل يجد المواطن ضالته في صانع المحتوى أو المؤثر الذي يحكي قصة شخصية أو يقدم نصيحة عملية فالمشكلة الأكبر أن هؤلاء المؤثرين يقعون بدورهم في فخ الخوارزميات فيبدأون في تأليف أو تضخيم الأخبار لضمان البقاء في دائرة الضوء.

خارطة الطريق استراتيجيات للنجاة والبدائل

لا يمكن للسودان إيقاف التكنولوجيا، لكن يمكنه ترويضهاوفهذا التحقيق يقترح خطة وطنية للمقاومة الإعلامية:

  1. بناء السيادة الرقمية: يجب على الجامعات السودانية وشركات التقنية الناشئة التركيز على تدريب نماذج ذكاء اصطناعي على البيانات السودانية (التاريخ، الأدب، التراث، اللهجات، القوانين) بما يضمن أن تكون المرجعية للمعلومات سودانية وليست مستوردة، بإنشاء قاعدة بيانات وطنية مشفرة وموثوقة لتوثيق كل أحداث الحرب بعيداً عن أهواء المنصات العالمي لتكون المرجع المستقبلي للحقيقة.
  2. نموذج الصحافة الهجينة: يجب أن تتبنى المؤسسات الإعلامية السودانية بروتوكول الإنسان أولاً لا نشر لأي معلومة إلا بعد التحقق البشري، وتأسيس وحدات التحقق التقني بمج الصحفيين مع المبرمجين في فرق عمل واحدة فالصحفي يقدم السياق والتحليل والمبرمج يقدم أدوات كشف التزييف الرقمي.
  3. التربية الإعلامية الرقمية: إدراج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية الجامعية ليس كعلم نظري بل كمهارة حيوية كيف تكتشف الأخبار الزائفة؟ كيف تفرق بين النص البشري والنص المؤتمت؟ وتشجيع الجمهور على عدم مشاركة أي محتوى قبل فترة تريث (5 دقائق) وهي كفيلة بتقليل سرعة انتشار الإشاعات بنسبة تصل إلى 40%.
  4. التحالفات الدولية للتحقق: الارتباط بشبكات التحقق الدولية (مثل الـ IFCN) ليس انصياعاً للخارج بل هو ضرورة للحصول على الأدوات التقنية المتطورة مثل برامج تحليل الصور وتقنيات بصمة الصوت التي لا يمتلكها الصحفي السوداني الفرد.

إلى أين نتجه إذا فشلنا في هذه المواجهة؟

سيعيش السودانيون في فقاعات معلوماتية متنافرة تماماً كل قبيلة أو منطقة جغرافية أو حزب سياسي سيحصل على حقيقة خاصة به، مما يجعل الحوار الوطني مستحيلاً ويحول الصراع من نزاع على السلطة إلى نزاع على الحقيقة، وستفقد المؤسسات السودانية أي قدرة على تحقيق دخل إعلاني لأن المنصات العالمية (جوجل/ميتا) ستستحوذ على كل شيء، معتمدة على محتوى الذكاء الاصطناعي المجاني، مما يقتل العمل الصحفي الاحترافي تماماً، إذ لم نوثق نحن تاريخنا الآن فسيتم كتابته بواسطة خوارزميات قد تتبنى رؤية الطرف الذي يدفع أكثر لشراء مساحات الانتشار الرقمي.

لماذا تعد هذه المعركة وجودية؟

في التحقيقات التقليدية تعتبر الصحافة مهنة وفي حالة السودان الراهنة تعتبر الصحافة هي خط الدفاع الأخير، فالمجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والخطأ هو مجتمع لا يستطيع اتخاذ قرار لا يستطيع انتخاب من يمثله لا يستطيع الاتفاق على شروط السلام، ولا يستطيع بناء دولة.
فالذكاء الاصطناعي في السودان يعمل حالياً كمشرط جراح يقطع الروابط الإنسانية التي كانت تجمع السودانيين ولكي نوقف هذا التآكل، يجب أن ندرك أن التكنولوجيا ليست قدراً محتوماً هي أداة يمكن تحويلها من أداة تدمير إلى أداة توثيق.

نداء إلى حراس الحقيقة

إن السودان اليوم يمر بمرحلة انتقالية ليست سياسية فحسب بل معرفية فالصحفيون والتقنيون والنشطاء والأكاديميون مطالبون اليوم بتجاوز الخلافات الضيقة وتشكيل جبهة وطنية للمعلومات، لإن النجاة في هذا العصر تتطلب شجاعة من نوع جديد شجاعة التريث في عالم يقدس السرعة وشجاعة البحث عن الحقيقة في عالم يقدس التفاعل وشجاعة رفض الخوارزميات حين تعادي قيمنا الوطنية، السودان ليس مجرد بقعة جغرافية في تقارير الأخبار العالمية، بل هو شعب حي يستحق أن يعرف حقيقته وأن يكتب روايته بنفسه وبأدواته وبقيمه الخاصة، فذا خسرنا المعركة الرقمية فقد لا نجد وطناً نعود إليه بمجرد توقف الرصاص.

مطلوبات من أجل صوت الناس

الصحفيين: اجعلوا التحقق الميداني علامَتكم التجارية لن يهزمها الذكاء الاصطناعي أبداً لأنها الشاهد العيان.
المؤسسات التعليمية: ابدأوا فوراً في تعليم طلاب الإعلام علوم البيانات وكيفية التعامل مع النماذج اللغوية.
المجتمع المدني: ادعموا مبادرات الصحافة المستقلة التي تلتزم بمعايير الشفافية والإفصاح عن مصادرها وطرق عملها.

الكلمة الأخيرة

الحقيقة في السودان ليست معطىً جاهزاً، الحقيقة هي فعل إرادي يجب أن نمارسه كل يوم لنحمي عقولنا وتاريخنا ومستقبل بلادنا من الاندثار في ذاكرة الآلة.